المنطقة العربية.. وغياب الاستقرار

(1)
تمثل حالة الاقتتال في السودان حلقة نمطية جديدة في سلسلة الانقلابات العسكرية والنزاع على السلطة التي عانى منها السودان على مدى الخمسين عاما الماضية، وقد أدى قادة الانقلابات للانفراد بالحكم، إذ بلغ عدد الانقلابات خلال هذه الفترة في السودان 17 انقلابا، ما تسبب بفساد في جماعاتهم ودفع لوقوع كوارث اجتماعية وإنسانية هائلة، ابتداء من هجرة العقول والمهارات السودانية إلى الخارج، بحيث وصل مؤشر الهجرة والفرار إلى 9.1 (من 10) في العام 2021، مقابل المعدل العالمي 5.2، بحثاً عن الحرية والأمن وفرص العمل والمعيشة، مروراً بالهجرة الجماعية واللجوء والنزوح، وانقسام السودان الى سودانَيْن، وتراجع الحالة الاقتصادية، بحيث انخفض دخل الفرد في السودان في الأعوام الخمسة عشر الماضية من 1586 دولارا أميركيا للفرد في العام 2008 إلى 752 دولارا للفرد في العام 2021، ودخلت السودان قائمة الدول الأفقر والأقل تنمية في أفريقيا والعالم.
هذا عدا عن انهيار التعليم، وتوقف المدارس والجامعات عن العمل على نحو مقبول ومتواصل، وتدني الخدمات الصحية لأدنى مستوياتها. وهكذا تحّول البلد الذي كان يؤمّل فيه بأن يكون سلة الغذاء العربي بمساحة 1.9 مليون كم2، أي ما يقرب من ضعف مساحة مصر إلى جانب سواحله على البحر الأحمر بطول 750 كم، تحول إلى منطقة يهرب سكانها منها، ويغادرها كل من فيها من الأجانب بحثا عن الأمان. هذا، برغم ثرواتها الطبيعية الوفيرة، ابتداء من البترول مروراً بالذهب والكروم والحديد والمغنيز واليورانيوم والجبسوم والجرافيت والاسبستوس، وانتهاء بالأراضي الزراعية الواسعة التي تتجاوز مساحتها الـ735 مليون دونم و218 مليون دونم غابات ومراعي تحمل 100 مليون رأس من الماشية، وهطل مطري يتجاوز الـ400 مليار م3 سنويا.
هذا الفقر والتراجع والتفكك العميق الذي يعاني منه المجتمع السوداني، لم يكن بسبب قلة الموارد، ولا للتدخلات الأجنبية، بقدر ما هو من فعل النخبة من السياسيين والعسكريين في السودان.
(2)
هل يختلف السودان عن اليمن؟ أو عن سورية أو ليبيا أو العراق أو حتى لبنان؟
في الجوهر لا اختلاف، في كل بلد من هذه البلدان المأزومة، يتفاقم إهمال الإنسان ويتواصل تفكيك المؤسسات، ويستمر تدمير المسؤولية تجاه المجتمع، والفرق بين بلد وآخر هو في حجم وعمق الخراب والتدمير.
ويبقى السؤال الكبير لماذا؟ لماذا تستمر هذه الخلخلة في بنيان الدولة العربية، ويستمر التنازع على الحكم والسلطة، حتى لو أدى هذا التنازع لانهيار الدولة بكاملها؟ ولماذا يسهل على القوى الأجنبية التدخل في الشأن العربي، مهما كان حجم هذا التدخل؟ وأيا كانت القوى المتدخلة، ابتداء من أميركا وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وانتهاء بتركيا وإيران وغيرها؟
وفي حقيقة الأمر، فإن المنطقة العربية ومنذ أكثر من 70 عاماً، أي منذ أصبحت جميع الدول العربية، دولاً مستقلة بعد اندحار الاستعمار البريطاني والفرنسي والايطالي وانقشاع غيومه المظلمة عن الوطن العربي بأكمله، منذ ذلك الوقت لم تنعم المنطقة بالاستقرار السياسي، أو الاجتماعي أو الاقتصادي، واستمرت عاما بعد عام تعاني من حروب واعتداءات خارجية، وزعزعة متواصلة، نتيجة للاغتصاب الإسرائيلي لفلسطين وتدخلاته والدول الداعمة له بشتى الوسائل والأشكال، ونتيجة للثورات والانقلابات العسكرية، وما يرافقها عادة من دعوة الأجنبي.
واللافت للنظر، أن معدلات النمو الاقتصادي في العالم العربي بقيت متواضعة، باستثناء دول الخليج الغنية بالثروة النفطية. ولم تتحول أي دولة عربية إلى صناعية بالمفهوم العلمي والتكنولوجي الحديث، برغم التعليم والتاريخ الطويل في العمل والإنتاج المهني.
كما أنه لم تتحول أي دولة عربية على الإطلاق إلى الديمقراطية، كما نجد مثلاً في الهند أو ماليزيا أو بنغلادش. وما يزال الحكم الفردي أو السلطوي أو الدكتاتوري، يمثل النمط السائد حتى لو تمت زخرفته وتزيينه بالانتخابات والمجالس التشريعية، وما في حكمها. السؤال الكبير مرة ثانية: لماذا وإلى متى؟
(3)
قد تكون هناك أسباب عديدة في المنطقة العربية وراء هذه الحالة التي أصبحت “ظاهرة” تتغلغل في البنية السياسية، وتتجذر في التربة العربية عاما بعد عام، وفي مقدمة ذلك ما يلي:
أولاً: الاعتماد على الخارج، بحيث لا يوجد دولة عربية واحدة يعتمد النظام فيها على الدعم المجتمعي، ويستمد قوته من الشعب، وإنما يتجه إلى دول أجنبية ليستمد قوته منها، سواء في المال أو الاقتصاد أو المشاريع أو الدفاع أو الشرعية أو التنمية، أو أي نشاط آخر، كإنتاج الغذاء أو توفير الماء، أو إنتاج السلع المختلفة، بخاصة المتقدمة منها ذات الطابع التكنولوجي، أو الخدمات من دراسات وتصاميم للمشاريع وأبحاث في مواضيع محددة.
وهذا طوّر وعمّق ثقافة الاعتماد على الآخر وعلى الخارج في كل شيء، وعلى أي مستوى، ابتداء من الوصول إلى السلطة، والتربع على كرسي الحكم، وانتهاء بدراسات الجدوى الاقتصادية للمشاريع، وتحول الأمر من مجرد الاعتماد على الآخرين إلى الاستقواء بالأجنبي ضد الخصوم والأنداد من أبناء البلد ذاتها، بل ضد المطالب الشعبية بالإصلاح والتغيير.
هكذا كان الأمر في العراق وفي اليمن وسورية والسودان، ومقابل هذا العون من الخارج تتضاءل قيمة الوطن، حتى يصبح سلعة يتعامل بها السياسيون، كما نجد الحال في لبنان وليبيا مثلا. وتدريجيا أصبح الأمر جزءا من الثقافة المجتمعية الخفية او غير الظاهرة.
ثانياً: مفهوم النظام قبل الدولة، ولأن الوصول إلى السلطة لا يتحقق خلال عملية ديمقراطية في الأقطار العربية، وإنما بطرق أخرى، أكانت انقلابا عسكريا، أو انتخابات مزورة، أو بدعم أجنبي، فإن الحكم أصبح في نظر هؤلاء، أهم من الدولة ذاتها، بل ويأتي قبلها.
وهذا ما نراه واضحاً في لبنان بين القوى السياسية التي جمعت بين شرّين في آن واحد: الاعتماد على الأجنبي من جانب، والأولوية للسلطة على حساب الدولة من جانب آخر. بل إن الأطراف المتنافسة والمتنازعة على السلطة، لم يعد يعنيها انهيار الاقتصاد وتوقف مؤسسات الدولة عن العمل، وامتهان كرامة المواطن، بقدر ما يعنيها التعليمات من القوة الأجنبية الداعمة، أكانت أميركا أو فرنسا او حتى إسرائيل، كما نلاحظ في اليمن ولبنان وليبيا والسودان التي توقفت فيها 61 % من المؤسسات العاملة بالصحة، وأصبح البلد مهدداً بانتشار الأوبئة، ناهيك عن الفقر وشح الغذاء.
لكن الوصول إلى السلطة، يحتل الأولوية لديهم. والإشكال التاريخي هنا، أن هذه النزعة الأنانية العمياء تتسرب نزولا إلى المؤسسات، لتصبح جزءا بارزاً من الثقافة المجتمعية في جزأيها الظاهر والخفي. وتنشأ الأجيال لترى الصراع من أجل السلطة، هو الأمر العادي.
ثالثاً: ضعف البنيان المؤسسي، إن الانفراد في الحكم مهما كانت العباءات التي يتستر بها تجعل الفردية والسلطوية، جزءا من بناء المؤسسات فتصبح المؤسسة تعتمد على رأسها، وهذا يجعلها تعاني من الهشاشة والجاهزية للانهيار عند أي صدمة أو قوة ضاغطة.
وامتد الأمر في معظم الأقطار العربية إلى الأحزاب، بل جزء من منظمات المجتمع المدني التي تنظر إلى دورها ليس في بناء الوطن بقدر ما هو الحكم والسلطة، حتى أن الأمناء العامين للأحزاب، كثيراً ما يستمرون لسنين طويلة دون تغيير أو تجديد للدم أو الفكر أو الرؤية المستقبلية. ومثل هذه الحالة، يكون الاستعداد دائماً للانسياق وراء من يوصل الحزب أو المنظمة إلى السلطة، ما يجعل الدولة عرضة للزعزعة وعدم الاستقرار سواء بالمفهوم السياسي أو الأدائي أو الإنجاز المثمر الفعال.
رابعا: الكيان الإسرائيلي التوسعي، بحيث لا يمكن تحقيق أطماع إسرائيل التوسعية، إلا إذا كانت دول المنطقة العربية في حالة متواصلة من عدم الاستقرار والضعف الذاتي وغياب الديمقراطية وانشغال الناس بحياتهم اليومية المعقدة، وهذا ما تمتد إليه الأصابع الإسرائيلية وحلفاؤها، بخاصة وأن إيمان الجماهير العربية بالحقوق الفلسطينية والعربية، لا يتغير مهما كانت العلاقات الرسمية مع دولة الاحتلال.
(4)
وبعد، فإن الاعتماد على الأجنبي، والذي له جذور تاريخية عميقة، كان عاملا مهما في إفشال أي تعاون عربي وثيق، أو إنشاء مؤسسات عربية فعالة وملزمة لأعضائها، أو إقامة مشاريع عربية مشتركة كبرى، أولا لأن الأجنبي يستثمر حالة الضعف والتشتت العربي لتحقيق مصالحه، والثاني أن قوة الدولة العربية بالاعتماد على ذاتها حالة لا تنسجم مع التطلعات الإسرائيلية التوسعية، ولا الرؤية الإمبريالية الغربية الهادفة للهيمنة الدائمة.
إن المستقبل الوطني والقومي، لا يقوم إلا بالاعتماد على الذات، وعلى القوة المجتمعية والديمقراطية وتداول السلطة والمشاركة بصنع القرار، وإذاك، يمكن للمنطقة أن تحقق التقدم والاستقرار المنشود.