إشكالية التدخين وآليات المواجهة

كانت مفاجأة غير متوقعة  للأردنيين عموما عندما قرر مجلس الوزراء تخفيض الرسوم على السجائر الإلكترونية وأدوات تسخين التبغ وتوابع ذلك. ما هي الغاية المقصودة من هذا القرار؟ وبأي اتجاه سيدفع عادة التدخين المستفحلة في البلاد؟ وما هي القيمة المعنوية أو الاجتماعية أو الاقتصادية لكل ذلك؟. فكما هو معروف وحسب الأرقام الدولية فإن الأردن يحتل المرتبة الثالثة بين دول العالم في التدخين. أما الخسائر الاقتصادية بسبب تعاطي التبغ فإنها تتجاوز 1600 مليون دينار سنوياً. وبسبب انتشار التدخين على نطاق واسع لدينا، فإن الدراسات تبين أن الشرائح محدودة الدخل تنفق على السجائر 25 مرة أكثر مما تنفق على العناية الصحية. كما أنهم ينفقون على السجائر 10 أضعاف ما ينفقون على الطعام. وحسب تقرير منظمة الصحة العالمية فإن عدد المدخنين في الأردن تجاوز 2.8 مليون شخص في عام 2022 منهم 2.3 مليون من الذكور و0.5 مليون من الإناث. وتشير عدد من التقارير إلى أن نسبة المدخنين من الرجال تصل إلى 66 % بينما هي بين النساء 13 %. وفوق كل ذلك يستخدم 25 % من المراهقين بين 13 سنة و15 سنة يستخدمون السجائر بشكل أو بآخر. ويأتى الإنفاق على السجائر كثاني أعلى إنفاق بعد اللحوم والدواجن بالنسبة للأسرة الأردنية، بكل ما يعني ذلك من تبعات سلبية على الصحة المجتمعية. وبالتالي حين يكون الحديث عن التدخين فنحن نتحدث عن إشكالية اجتماعية واقتصادية وصحية بالغة التعقيد والخطورة. وهنا لا بد من الإشارة إلى عدد من النقاط المهمة وعلى النحو التالي: 
اولاً: إن هناك إستراتيجية وطنية للأعوام 2024- 2030 لخفض نسب التدخين بأنواعه وأشكاله المختلفة. وبالتالي فإن القرار بتخفيض الرسوم على السجائر الإلكترونية وتسخين التبغ يناقض هذه الإستراتيجية التي أقرتها الدولة والتي تهدف إلى تخفيض نسبة التدخين عموما وحماية الفئات الأكثر عرضة لاكتساب عادة التدخين والإدمان على النيكوتين ومشتقاته بأضراره القاتلة مثل الشباب والأطفال والحوامل. 
ثانياً: إن جميع الدراسات والأبحاث تؤكد أن أخطار وأضرار السجائر الألكترونية وملحقاتها لا تقل أبدا عن أخطار السجائر العادية إن لم تكن تتعداها. وبالتالي فإن تسهيل الحصول عليها بصورتها الإلكترونية أو الأرجيلة من خلال تخفيض الرسوم، وبالتالي انخفاض الأسعار يمثل دفعة قوية باتجاه مزيد من التدخين وخاصة بين الشباب والمراهقين والإناث، وهم الأكثر انجذابا واستعمالاً للسجائر الإلكترونية والأرجيلة. 
ثالثاً: إن الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة المترتبة على التدخين بأنواعه وإشكاله المختلفة تتجاوز بالنسبة لاقتصادنا 6 % من الناتج المحلي الإجمالي بسبب الأمراض وتراجع الإنتاجية لدى المدخنين وتراجع ساعات العمل الفعالة وغير ذلك.
رابعاً: إن كل دينار من منتجات التبغ يتطلب عناية صحية تتراوح بين 3 إلى 5 دنانير حسب تقرير مركز الحسين للسرطان. إذ ان 80 % من سرطانات الرئة والجهاز التنفسي أسبابها التدخين، بينما 33 % من السرطانات عموماً لها علاقة بشكل أو بآخر بالتدخين. خامساً: إن عائدات الخزينة من التدخين والتي تتجاوز 900 مليون دنار سنويا، هي عائدات مؤقتة، لان الخزينة تنفق ما يقرب من ضعف هذا المبلغ على معالجة الأمراض الناشئة عن التدخين  وعلى مدى سنوات متتالية. 
سادساً: إن أسعار السجائر في الأردن تعتبر منخفضة بالنسبة للكثير من الدول. إذ يحتل الأردن المركز 71 بين دول العالم في أسعار السجائر. بمعنى أن هناك 70 دولة، منها دول متقدمة ودول عربية ودول نامية، أسعار السجائر فيها أعلى من أسعارها في الأردن وبنسب كبيرة . ففي أستراليا يصل ثمن علبة السجائر إلى 33.5 دولار، وفي بريطانيا 22.7 دولار، وفي السعودية 7.5 دولار، وفي المغرب 4.4 دولار ويعادل 11.% نصيب الفرد من الناتج المحلي، وفي الهند 3.9 دولار ويعادل  14.% من نصيب الفرد الناتج المحلي بينما متوسط السعر لدينا 3 دولارات للعلبة أو ما يعادل 07.% من نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.
وهذا السعر المنخفض نسبيا لدينا إضافة إلى أسباب أخرى يساعد على انتشار التدخين بشكل كبير ويفسر لماذا يحتل الأردن الترتيب الثالث في التدخين عالميا. 
سابعاً: إن التحكم بالاستهلاك من خلال الأسعار آلية معروفة ومستقرة علميا وعمليا وتطبقها مختلف دول العالم. 
ثامنا:إن الافتراض بأن الأسعار المرتفعة سوف تؤدي إلى زيادة الاستهلاك من خلال التهريب فهي مقولة غير دقيقة ولا يعتمد عليها. ذلك أن التهريب قد يزداد ولفترة محدودة عند رفع الأسعار ولكنه لا يعني زيادة الانتشار لصعوبة الحصول على المواد المهربة. 
بمعنى قد يزداد التهريب مؤقتا عند رفع الأسعار، ولكن الاستهلاك على المستوى المجتمعي يتراجع تماماً. 
تاسعا: وتبين الدراسات من مؤسسات متخصصة أن رفع كلفة التدخين بمقدار 10 % يساعد على تخفيض التدخين بنسبة 5 %.
وأخيرا فإن قلة من المواطنين يمكن أن يقتنعوا بمبررات تخفيض الرسوم على السجائر الإلكترونية وملحقات تسخين التبغ وغيره. والتخفيض هو توجه يخالف توصيات منظمة الصحة العالمية والمنظمات الصحية المختلفة، ومن شأنه أن يكلف الدولة خسائر باهظة منظورة وغير منظورة عاجلة ومؤجلة. وبالتالي فمن الضروري التراجع عن هذا القرار بل وإصدار قرارات تساعد على الحد من التدخين بأشكاله بما في ذلك رفع الأسعار من خلال الرسوم والضرائب وتضييق أماكن البيع وأماكن التدخين، وتكثيف حملات التوعية في المؤسسات التعليمية والشبابية والثقافية  
ووسائط الإعلام وتخصيص العائدات من زيادة الرسوم لتمويل مشاريع وطنية لها علاقة بالصحة المجتمعية مثل التغذية المدرسية وتخضير المدن والقرى وغير ذلك الكثير.