اللغة العربية ركيزة للعلم والتقدم

 قبل أربعة أيام انتهت اللجنة المالية لمجلس النواب من مناقشة موازنة مجمع اللغة العربية الأردني وأقرتها حسب الأصول المتبعة. وما ميز المناقشة ذلك التفهم العميق والمسؤول والتفاعل الإيجابي، الذي يستحق التقدير والثناء، من رئيس وأعضاء اللجنة لأهمية اللغة العربية كركيزة علمية وتعليمية وثقافية وتراثية ووطنية، وأهمية دور المجمع في أداء مهمته الرئيسية وهي الحفاظ على اللغة والنهوض بها لمواكبة متغيرات العصر، ومتابعة الأداء المجتمعي لاستعمال اللغة العربية السليمة. وكان واضحا من النقاش أن الدولة بمؤسساتها الرسمية والأهلية، وفي مقدمتها المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية والشبابية، بحاجة إلى مزيد من الجهد للحفاظ على سلامة اللغة، خاصة بعد الموجة العارمة من انتشار العامية في وسائط الإعلام، وتدفق مفردات اللغة الأجنبية، وخاصة الإنجليزية، في ثنايا الخطاب اليومي للكثيرين من الأشخاص والمؤسسات، الأمر الذي ينعكس سلبيا على الأجيال الصاعدة، ويولّد في أذهانهم حالة من الانفصام بين ما هو وطني وقومي وتراثي، وبين ما تحمله نزعة المباهاة الصريحة أو الخفية بالخطاب بمظهر الحداثة والرقي من خلال المفردات الأجنبية.

ولا شك أن ثورة الاتصالات والمعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي تؤدي دورا كبيرا في تعميق هذا الانفصام، وفي دفع الناشئة نحو السطحية في التعامل مع المواد التي يقرأونها بالعامية حينا، و»بالعربيزي» حينا ثانيا، وبلغة أجنبية حينا ثالثا.
 وهنا، ونحن نقترب من اليوم العالمي للغة العربية والذي يوافق اليوم الثامن عشر من هذا الشهر، لا بد من التأكيد على عدد من النقاط، وعلى النحو التالي:
 أولا: إن اللغة عموما ليست مجرد تواصل بسيط يمكن أن يتحقق بأي وسيلة، وإنما هي فضاء التفكير والإبداع للإنسان وللمجتمع وآلية نقل المعرفة وتداولها على المستويات المختلفة.
 ومن هنا، فإن كل ضعف في اللغة الوطنية، وهنا اللغة العربية، أو اختلاطها الارتجالي والاعتباطي والتظاهري بلغة أجنبية، من شأنه أن يخلق حالة من الخلخلة في التفكير وإزاحة في الإبداع، ويولد العقبات في طريق الاستيعاب المجتمعي للعلم والمعرفة والتكنولوجيا.
 ثانيا: إن اللغة هي العمود الفقري للتعليم الذي هو مفتاح التقدم للفرد وللمجتمع، والذي تنفق عليه الدول مليارات الدنانير.
 وبالتالي فإن كل ضعف في اللغة الوطنية ينعكس تلقائيا وبقوة على التعليم في مراحله المختلفة، بما في ذلك الاستعداد للقراءة بعد التخرج حتى لو كانت قراءة التقارير المهنية التي تؤثر في المجتمع مباشرة.
 ثالثا: إن التعليم، مع ثورة الاتصالات والمعلومات والذكاء الاصطناعي، راح «ينتقل بسرعة كبيرة من التعليم إلى التعلُّم»، أي اعتماد الطالب أو القارئ على نفسه وليس على معلم في أن يتفهم ويستوعب ويتفاعل مع المواد على اختلاف تخصصاتها، علمية كانت أو إنسانية، تعليمات الطبيب أو دليل تشغيل الماكينة.
 ومن هنا، فضعف اللغة يعني ضعف القدرة على التعلم للجميع وعلى مدى الحياة، وبالتالي ضعف الأداء والخسائر المالية والإنسانية لهذا الضعف.
 رابعا: إن تقرير البنك الدولي يشير إلى ارتفاع «دليل فقر التعلم» في الأردن ليصل إلى 62 %.
 أي أن هذه النسبة المرتفعة من الطلبة تصل سن العاشرة (أو الصف الرابع) ولا يتمكن الطالب من قراءة صفحة مكتوبة واستيعاب ما فيها والتعبير عن ذلك.
والإشكال الكبير أن فقر التعلم هذا يستمر مع الطالب إلى السنوات التالية وإلى الدراسة الجامعية وما بعدها.
خامسا: إن واحدا من أهم الأسباب وراء فقر التعلم هو ضعف الطالب في اللغة العربية، الأمر الذي تترتب عليه خسائر اقتصادية باهظة وخسائر للفرص وإضعاف للإمكانات الإبداعية.
 وبافتراض أن الضعف في التعلم يؤدي إلى ضياع 20 % فقط مما يتعلمه الطالب، فإن الكلفة الاقتصادية للتعلم المفقود تعادل ما يقرب من 250 مليون دينار سنويا في بلدنا العزيز تذهب هباء لتدني نوعية التعليم وتراجع مقدار ما يتمكن الطالب من التركيز فيه.
 ومن هنا فإن إنفاق 50 مليون دينار سنويا على تحسين تعليم اللغة العربية في المدرسة والبيت والجامعة يعني توفير 5 أضعاف هذا المبلغ.
 سادسا: إن اللغة ليست فقط في المدرسة أو الجامعة، إنها في كل مكان في المجتمع، في التعليم والثقافة والإعلام والقضاء والصحة، وفي الإذاعة والتلفزيون والصحيفة والإعلان، بل وفي البيت والنادي وفي كل ما له علاقة بعقل أو سمع الإنسان أو حياته اليومية.
 وهذا يعني أن المحافظة على اللغة وتعزيز مكانتها ومهاراتها واستعماليتها في المؤسسات وعقول وسُنُن المواطنين على اختلاف ثقافتهم وتعليمهم واطلاعهم ومهنهم وأعمارهم، فالمحافظة على اللغة هي مسؤولية مشتركة بين جميع المؤسسات على الإطلاق.
 سابعا: إن وزارة الصناعة والتجارة والتموين وأمانة العاصمة والبلديات، على ما تبذله من جهود مشكورة، إلا أنها تتحمل المسؤولية في اللافتات والإعلانات المكتوبة باللغة العامية أو باللغة الأجنبية فقط، خاصة وأن «قانون حماية اللغة العربية» (نعم قانون) ينص على أن كل ما يخاطب به الجمهور ينبغي أن يكون باللغة العربية السليمة بالدرجة الأولى، وبالخط الأوضح، ويمكن استعمال اللغة الأجنبية بشكل أقل حجما.
ثامنا: لقد آن الأوان أن يخرج بعضهم من وهم أن اللغة الأجنبية تدل على الفهم الأكثر والدرجة الأعلى، وعلينا أن نتذكر دائما أن مفردات العلم والتكنولوجيا أصبحت جزءا من تفاصيل حياتنا اليومية بشكل مطلق، ولا بد من أن تكون اللغة العربية هي الجسر المشترك بين الفني الذي يتعامل مع المنجزات التكنولوجية والهندسية بكل تفاصيلها وبين الإنسان العادي الذي يريد التفاهم والتفهم من الفني المختص، سواء كان ذلك بين الفني الذي يصلح السيارة أو الطبيب الذي يصف المرض للمريض.
وأخيرا: فإن اللغة بالإضافة إلى مكانتها التراثية والدينية والوطنية التي نعتز بها، إلا أنها ركيزة تعليمية واقتصادية وثقافية بل وحضارية أساسية، وعلى الجميع المشاركة في المحافظة على سلامتها وتمكين المواطن منها قراءة واستعمالا، وأن تضع كل مؤسسة برنامجا لها للحفاظ على اللغة العربية السليمة بشكل أفضل لتنطلق به مع اليوم العالمي للغة العربية في كل عام.