لعله من اللافت للانتباه مضامين البيان الختامي بعد الاجتماع الوزاري المشترك الثالث لوزراء المياه والزراعة العرب، والذي انعقد في القاهرة خلال الأسبوع الماضي تحت شعار (التنسيق المؤسسي واتساق السياسات لتحقيق الأمن المائي والغذائي في المنطقة العربية). وقد بين المشاركون في الاجتماع الذي ترأسه المهندس رائد أبو السعود وزير المياه والري أن 18 دولة عربية هي دون خط الفقر المائي الحاد، وان الدول العربية وعددها 22 دولة هي الأكثر فقراً وندرة بالمياه على مستوى العالم. وعزا المجتمعون ذلك إلى « الإجراءات التي تتخذها دول المصدر» بالإشارة إلى تحكم دول الجوار وهي تركيا وإيران وأثيوبيا والكيان الصهيوني بالأنهار العربية التي تنبع أو تمر في أراضيها مثل دجلة والفرات والنيل ونهر الأردن.
وكذلك دعا وزير المياه المصري الدكتور هاني سويلم الى تطوير آليات مؤسسية لتكامل المياه والغذاء والزراعة والبيئة في الأقطار العربية.
ومع تقدير الإنجازات التي تحققها كل بلد عربي بمفردها، إلا أن الملاحظ أن ما صدر عن اللقاء ما هو إلا بيان يتسم بالدرجة الأولى بالعموميات دون تناول مسائل محددة يمكن البدء في تنفيذها.
وفي هذا المجال لا بد من الإشارة إلى عدد من النقاط على النحو التالي:
أولا: إن مشكلة المياه وخاصة ندرتها تشمل جميع الدول العربية دون استثناء، وهي التي تتشابه في المناخ وفي الجغرافيا إلى حد كبير. ثانياً: إن المشكلة الرئيسية التي ينبغي أن تتمركز حولها الجهود
والاستثمارات تتمثل في نقص مصادر المياه وضآلتها وليس مجرد الإدارة على أهميتها، فالأنهار قليلة وبعضها في تقلص كبير، والبحيرات والمسطحات المائية قليلة تماما، والأمطار في تراجع متواصل ولا يتعدى معدلها في كامل المنطقة 200 ملم سنويا في حين ان المعدل العالمي 990 ملم سنويا.
ثالثاً: إن المواطن العربي يتوقع من مثل هذه اللقاءات الخروج من العموميات التي أصبحت نمطاً تقليدياً في الاجتماعات والبيانات العربية وغدت معروفة مقدما، يتوقع الخروج من العموميات إلى مسائل محددة تتناول جوهر المشكلة وقابلة للتنفيذ وفق برامج زمنية واضحة.
رابعاً: إن كل مفردة من العموميات تتطلب ترجمة عملية تكنولوجيا واقتصاديا ليستفاد فيها من التعاون العربي. فلماذا لا يأخذ المجلس الوزاري قرارات بتشكيل المؤسسات أو الشركات العربية المشتركة التي يمكن أن تحول التصورات العامة إلى واقع عملي؟
خامساً: إن حل أزمة المياه يتطلب بالدرجة الأولى «الخروج من التركيز على إدارة الفقر المائي إلى التركيز على بناء الثروة المائية من خلال زيادة المصادر، بتفاوت أحجامها، وحسن إدارة المصادر المتاحة» بما في ذلك إعادة التدوير.
سادسا: وإذا كان أهم مصدر جديد على الإطلاق هو تحلية مياه البحر فلماذا لا يتم الاتفاق والقرار بإنشاء «مركز تكنولوجيا تحلية المياه» تشارك فيه الدول العربية بخبراتها وتساهم الدول في تمويله ليكون بيت الخبرة للإبداع والتطوير في هذا المجال ؟ بل ليساعد في توطين هذه التكنولوجيا في الوطن العربي، علما بأن عددا من الدول العربية وفي مقدمتها السعودية ودول الخليج العربي الأخرى لديها إنجازات ومشاريع متميزة جدا في هذا المجال.
سابعاً: إن الزراعة وهي العمود الفقري للأمن الغذائي تستهلك من
50 % إلى 70 % من مجمل المياه في معظم البلدان العربية. وهناك تكنولوجيا جديدة تخفض من استهلاك المياه مثل زراعة الشرنقة والزراعة الذكية والزراعات المائية والصناديق المائية والسلالات النباتية والحيوانية الأكثر احتمالا للحرارة والجفاف
وغيرها. فلماذا لا يأخذ المجلس الوزاري قرارات تساعد مختلف الدول العربية على تطبيق هذه التكنولوجيات أو بعضا منها؟ وبالتالي الاتفاق على برامج ومتطلبات تعميم التكنولوجيات المائية والزراعية والبيئية والتعرف على هوامش التعديل من بلد إلى آخر وغير ذلك الكثير.
ثامناً: إن التنسيق المؤسسي بعيداً عن المشاريع المشتركة سيبقى مجرد أدبيات وصفحات مكتوبة أو منشورة ذات طابع عام ولا تساعد على التقدم في هذا المجال. بل يتطلع الجميع إلى رؤية مشاريع مشتركة، تلتزم بها الدول العربية حتى يتحقق التنسيق من خلال العمل والتكنولوجيا والإنجازات المشتركة.
تاسعاً: إن هناك مصادر اصطناعية للمياه تساعد في حل مشكلة الندرة بشكل تراكمي مثل توليد المياه من الهواء والاستمطار واقتناص الضباب والمياه العميقة وغيرها. فلماذا لا تكون هناك مشاريع عربية مشترك لكل تكنولوجيا من هذه المصادر الاصطناعية حتى يمكن تطويرها هندسياً واقتصادياً وتصبح جزءا من حل المشكلة المائية والغذائية؟
عاشراً: إن التكامل الفعال العالي الأمان المنشود بين المياه والطاقة والغذاء والبيئة لا يتحقق إلاّ بالتطويرات التكنولوجية والإبداعات المتميّزة و الخاصة بكل منطقة بذاتها،وهذه تتطلب مراكز الأبحاث والخبراء والمهندسين للوصول إلى النماذج العملية والمشاريع التطبيقية الأفضل. وهنا يصبح التعاون العربي من خلال الالتزام بمثل هذه المشاريع البوابة الرئيسية للإنجاز.
الحادي عشر: إن المشاريع الكبرى المشتركة غائبة عن التفكير السياسي العربي. يشمل ذلك إنشاء البحيرات الاصطناعية والقنوات المائية الكبيرة وتجذير وتوطين هندسات وصناعات المياه، والعمل على ربط البلدان العربية المتجاورة بمشاريع استراتيجية كبرى وفي مقدمتها السكة الحديد والمياه والطاقة. وهي المشاريع التي يمكن أن تخرج المنطقة من حالتها الراهنة وتساعدها على مواجهة التغيرات المناخية الكاسحة والتي أساسها الجفاف والحرارة.
الثاني عشر: إن الأقطار العربية من أقل بلدان العالم في مساحات الغابات (باستثناء السودان) إذ لا تتجاوز مساحة الغابات 2 % من مساحة الوطن العربي. والتوسع في زراعة الغابات حتى في المناطق الصحراوية كما فعلت الصين يمثل حجر الزاوية في تخضير المنطقة وتحسين البيئة فما هو العمل العربي المشترك خاصة وأن التغيرات المناخية سريعة وأن إسرائيل تنتظر الفرصة لتدعي أنها هي مفتاح المواجهة البيئية وحلقة الوصل في السكة الحديد.
وأخيراً فإن اللقاءات العربية في المجالات القطاعية كالمياه والطاقة والبيئة تقع في صلب المواضيع الحاسمة للمستقبل الاقتصادي الاجتماعي للمنطقة. وكما نجد في كثير من دول العالم قلة المياه فإنه تقابلها في الوطن العربي وفرة الطاقة المتجددة وخاصة الشمسية. ولكن الجسر التكنولوجي التنفيذي المعتمد على الجهود العربية ما يزال غائباً. وقد حان الوقت للعمل المشترك فتغيرات المناخ وتبعاتها لا تعرف الحدود السياسية للدول.