السلام في بحر الضباب (1)

وأخيراً وبعد إعلان حماس موافقتها على خطة ترامب، وتعثر المفاوضات حول  التفاصيل، خرج الأطراف جميعاً بإعلان الاتفاق على المرحلة الأولى من خطة السلام والتي ترتكز إلى نقاط خمس: الأولى إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين جميعهم وإطلاق سراح 1200 أسير فلسطيني بينهم 200 من المحكومين بالمؤبد، والثانية وقف إطلاق النار بما في ذلك الهجوم الإسرائيلي والثالثة انسحاب إسرائيل من 47 % من القطاع (الخط الأصفر) والرابعة السماح بدخول المساعدات والغذاء إلى القطاع بدون توقف، والخامسة التفاوض على تفاصيل المرحلة الثانية. ومع الترحيب الفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي الواسع بالاتفاق على المرحلة الأولى وتحرك سفينة السلام بضع خطوات بعد وقف النار، إلا أنه من الواضح أن البحر الذي يتحرك فيه السلام بالغ الاضطراب، ويغطيه ضباب العموميات التي صيغت بها خطة ترامب، إضافة إلى الألغام التي يمكن أن يفجرها نتنياهو وحكومته في أي لحظة.
 ولا شك أن التغير الذي دخلت فيه مواقف ترامب يعود لأسباب رئيسة أربع:
 الأول: العزلة التي انحدرت إليها إسرائيل بحيث أصبحت في نظر  مجموعات من الحزبين الأميركيين، ومعظم حكومات وشعوب العالم، بل والكثير من حلفاء أميركا، أصبحت نموذجاً للدولة العنصرية الخارجة على القانون الدولي، والمستخفة بمصالح الآخرين بما فيها الدول الصديقة. فتحرك ترامب لإنقاذ إسرائيل من اندفاعتها الوحشية المدمرة ليعيد لها شيئاً من مكانتها على المستوى الأميركي والدولي.
الثاني: الضغوط التي مارستها مجموعة الدول العربية والإسلامية وفي مقدمتها جهود الأردن ومصر والسعودية وقطر وتركيا مارستها على ترامب لكي يضغط بدوره على نتنياهو بقبول الخطة.
الثالث: صمود الشعب الفلسطيني على أرضه في غزة، وفشل المخطط الإسرائيلي لزرع اليأس والاستسلام لدى الفلسطينيين. 
الرابع: تطلع ترامب ليكون بطلا للسلام يستحق جائزة نوبل.
ولكن الأيام القادمة والمرحلتين القادمتين غاية في الصعوبة، خاصة إذا ما تم إنشاء مجلس السلام برئاسة ترامب وإدارة توني بلير والذي سيحاول استنساخ دور بريمر في العراق، الأمر الذي يتطلب استمرار الضغوط العربية والإسلامية، والتوافق الفلسطيني بين الفصائل وإصلاح السلطة، فالانقسام وضعف الإدارة من شأنها أن تضعف الدعم الدولي للقضية الفلسطينية في مواجهة النوايا الخبيثة التي يضمرها نتنياهو وزمرته.
(2) جولات رئيس الوزراء
منذ تولى الدكتور جعفر حسان رئاسة الوزراء، تبنى وحكومته منهجاً عمليا يستحق الثناء، ويتمثل ذلك بالجولات الميدانية المتواصلة والزيارات المتتالية وجلسات مجلس الوزراء في المحافظات، وفي مواقع مختلفة من شمال المملكة الى جنوبها. وفي كل مرة يزور فيها الرئيس منطقة معينة يبادر الى إصدار توجيهات عملية متميزة ذات قيمة تتناول التعليم او الصحة او السياحة او الاستثمار أو الزراعة وغير ذلك الكثير. وهذا يجعل من الزيارات قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية يستفيد منها المواطنون إفادة مباشرة.
 والسؤال الذي يتبادر الى الذهن: هل يستطيع رئيس الوزراء ان يزور كل مدرسة وكل مستشفى وكل موقع أثري وكل مرفق من مرافق الدولة التي تحتاج إلى عناية خاصة؟ سواء كانت صيانة، أو ترميما أو تجديدا، أو تزويدا بأجهزة ومعدات؟ أو توفير وسائط النقل أو مساعدة شركة متعثرة..الخ؟ بالتأكيد لا. وهنا نؤكد على النقاط التالية:
 أولاً: لماذا لا يقوم المسؤولون في الوزارات والدوائر مقتدين برئيس الوزراء  بمثل هذه الزيارات التي يمكن البناء عليها؟ وبالتالي الدفع باتجاه إدخال الإصلاحات والإضافات على شتى المرافق في كل محافظة وفي كل لواء بل وفي كل قضاء؟ 
ثانياً: ألا يمكن للوزارات كل حسب تخصصها والمحافظات والبلديات والمديريات الوزارية أن تتفقد شتى المرافق وتتفاعل مع المواطنين على طريق اتخاذ القرارات أو وضع التوصيات للإجراءات التي يجب السير فيها.
زيارات الرئيس وفريق الوزراء ذات قيمة كبيرة، ولكن يجب البناء على هذه القيمة ومضاعفتها من خلال تحرك المسؤولين بهدف الإصلاح والتطوير.
(3) هجرة العقول والمهارات
تعاني بعض دول أوروبا نقصاً حاداً في الأيدي العاملة وخاصة في الطب والهندسة والعلوم والمجالات الصناعية والخدمية المختلفة. يعود ذلك إلى تراجع معدلات النمو السكاني فهي مثلا 0.1 % في ألمانيا و0.3 % في فرنسا و1.1 % في بريطانيا. وهذا دفع بعض الدول وبشكل خاص ألمانيا الى فتح الأبواب لاستقبال الكفاءات والمهارات العلمية والتكنولوجية والطبية وغيرها، واجتذاب العقول والمهارات بأي وسيلة لإثراء ثروتها البشرية. وبالمقابل فإن العديد من الدول النامية تعاني من نسبة بطالة مرتفعة تتعدى المعدل العالمي 6.5 % لتصل 10 % 
و12 % المعدل للمنطقة العربية وحتى 21 % كما هو الحال لدينا في الأردن. وبطبيعة الحال فإن هذه النسب المرتفعة لمعدلات البطالة من شأنها أن تدفع باتجاه هجرة الأدمغة والمهارات ليبحث المهاجرون عن فرص للعمل أفضل مما هو في بلادهم. ومثل هذه الهجرة هي جوهرها خسارة لبلد المنشأ، حتى لو كانت هناك عائدات يصدرها المهاجرون إلى بلدانهم. فما يصدره المغتربون إلى وطنهم يتراوح بين 15 % إلى 30 % فقط من جملة تحصيلهم أو قيمة إنتاجهم في بلد المهجر. وبالتالي فإن دولة المنشأ تخسر من 70 % إلى 85 % من القيمة الاقتصادية للعقول والمهارات المهاجرة، يضاف إلى ذلك نفقات التعليم والإعداد المهني التي تتحملها بلد المنشأ.
 يحتل الأردن المرتبة 64 عالمياً في هجرة المهارات والعقول وبمؤشر للهجرة 6 من 10. وهذا يعني أن نسبة كبيرة من المهارات والعقول الأردنية عرضة للهجرة. ومن هنا فإن مذكرات التفاهم التي تم توقيعها قبل أسبوعين بين مؤسسة التدريب المهني الأردنية والاتحاد المركزي للحرف اليدوية الألمانية لتعزيز مهارات الشباب الأردني وفرصهم المهنية ينبغي أن لا تكون طريقا إلى تعزيز هجرة الكفاءات والمهارات الأردنية. إذ إن الأمر ليس بالبساطة التي عبر عنها الوزير بقوله: إن هذه الشراكات تمثل خطوة إستراتيجية لتأهيل الشباب وربطهم بسوق العمل الألماني. بل إن المأمول والمطلوب أن نستفيد من الخبرات الألمانية في تطوير وتحديث الحرف اليدوية الأردنية، وبالتالي تعزيز سوق العمل  الأردني وتزويده بالكفاءات الوطنية المختلفة مهنياً وتكنولوجيا، فهذا هو السبيل إلى تخفيف أزمة البطالة دون خسائر غير محسوبة ودون إضعاف الهيكل الاقتصادي للدولة، بل المساهمة في تعزيز البنية الاقتصادية والاجتماعية والوطنية.