الاعتراف بالدولة الفلسطينية محطة انطلاق للعمل

إن إقبال العديد من الدول الأوروبية الوازنة على الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الدورة الحالية للأمم المتحدة الدورة الثمانين، أو كما اسماها الكثيرون دورة فلسطين، كان دليلاً قاطعاً على الهزيمة السياسية لنتنياهو وحكومته المتطرفة، بل ولإسرائيل بكامل تاريخها. وكانت الكلمات من الوفود المختلفة المشاركة تستنكر بكل وضوح وحشية الحرب الإسرائيلية النازية في غزة واللجوء البشع إلى وسائل الإبادة الجماعية. وبنفس الادعاء الصهيوني التقليدي، لم يتردد نتنياهو في كلمته في جلسة الأمم المتحدة التي انسحبت منها معظم الوفود، أن يتهم الدول المعترفة بدولة فلسطين بمعاداة السامية ورغبتهم في قتل اليهود.
ولا شك بأن الجهود المخلصة التي بذلها الأردن بقيادة الملك عبدالله الثاني خلال العامين الماضيين بشكل خاص، والاتصالات والزيارات التي قام بها جلالته إلى أميركا والى العواصم الأوروبية، وجهوده في التنسيق العربي الإسلامي وجهود السعودية ومصر المتتابعة، كل ذلك، إضافة إلى جهود الملكة رانيا العبدالله على مستوى المنظمات الإنسانية، أحدث تحّولا حقيقياً في الموقف الأوروبي بشكل خاص والموقف الدولي بشكل عام، وغدا الاعتراف بالدولة الفلسطينية يشمل 159 دولة أو ما يعادل 82 % من كامل أعضاء الأمم المتحدة، منهم 4 دول رئيسية أعضاء دائمون في مجلس الأمن وهم روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا.
وتبقى مسألة قبول فلسطين كعضو كامل في الأمم المتحدة تتطلب صدور توصية أو قرار من مجلس الأمن بذلك إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة. ومثل هذا القرار من المتوقع أن تمنعه أميركا شريكة إسرائيل باستخدام حق الفيتو، خاصة وأن نتنياهو 
وزمرته يحاول إقناع ترامب والعالم أن الدولة الفلسطينية خطر يهدد إسرائيل.
وخلال اجتماعه مع عدد من قادة الدول  العربية والإسلامية في مقدمتهم الأردن وتركيا أعلن ترامب موافقته على خطة من 21 نقطة لوقف الحرب في غزة وخروج جميع الأسرى الإسرائيليين، كما التزم أمام المجموعة بعدم السماح لنتنياهو بضم أي جزء من أراضي الضفة الغربية أو غزة. إلا أن ترامب المعروف بتقلباته غير المحسوبة وتغيير مواقفه بين يوم وآخر، وبتأثره بأفكار نتنياهو العنصرية ومعلوماته المزيفة، يحتاج الالتزام منه إلى مزيد من الضغوط العربية والإسلامية المتواصلة على الأقل للتوقف عن استعمال الفيتو إزاء عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، وبالتالي الاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية المستقلة غير المسلحة والتي تسعى للعيش بسلام مع جيرانها كما أعلن محمود عباس في كلمته إلى الأمم المتحدة. 
ومع هذا فلا بد من التأكيد على عدد من النقاط المهمة وعلى النحو التالي:
أولا: ضرورة أن يأخذ الفلسطينيون الاعتراف الدولي المتصاعد بالدولة الفلسطينية باعتباره محطة جديدة للعمل بأقصى درجة ممكنة من الجهد والصبر والحكمة والإخلاص، وتعزيز القناعات السياسية للدول بإنجازات فلسطينية عملية ملموسة. 
ثانياً: أن تضع منظمة التحرير الفلسطينية وبالتعاون والتشارك مع خبراء فلسطينيين ومن الدول العربية الداعمة لفلسطين خطة إصلاح عاجلة للسلطة الوطنية الفلسطينية تخرجها من حالة الضعف 
والتراخي والشكوك حول أدائها، مما فتح الباب لنتنياهو ليشهر بها في كلمته في الأمم المتحدة، وخاصة ما يتعلق بعلاقات التنسيق مع دولة الاحتلال. 
ثالثاً: على الفصائل الفلسطينية وفي مقدمتها حماس وفتح أن تصل إلى تفاهمات مشتركة حول برنامج العمل للمرحلة القادمة بحيث يكون هناك توافق فلسطيني على الأعمال والإنجازات، وعلى لغة إعلامية مشتركة تركز على الاحتلال وجرائمه وليس ملامة هذا الفريق أو ذاك وليس بالضرورة توحيد الفصائل. 
رابعاً: سوف تستمر إسرائيل باستعمال «تصنيف الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية حماس كمنظمة إرهابية» استعماله كسلاح في وجه الفصائل الأخرى والسلطة الفلسطينية للمحافظة على الانقسامات، بحيث ترهبهم بأن إدماج حماس في أي ترتيب فلسطيني إجراء يستدعي اعتبار الترتيب الجديد إرهابياً عن طريق أميركا. وهذا الأمر يتطلب جهودا عربية لتصحيح الوضع خاصة وأن نتنياهو يعمل على تغطية الاحتلال الاستعماري وتسويق حروبه اللاإنسانية في فلسطين بكاملها بأنها مجرد حروب ضد حماس. الأمر الذي يستدعي جهودا عربية ويتطلب اللباقة والذكاء من الجانب الفلسطيني.
خامساً: إن مفتاح الهزيمة لإسرائيل ومخططاتها التوسعية العنصرية يتمثل قبل كل شيء في صمود الشعب الفلسطيني على أرضه وفي مدنه وقراه مهما كانت الضغوط. الأمر الذي يستدعي تنفيذ خطة دعم عربية أولا وإسلامية ثانياً لتعزيز هذا الصمود بشتى الوسائل الاقتصادية والمعيشية والمعنوية والسياسية والقانونية. 
سادساً: لقد أحسنت السعودية والأردن وإسبانيا بإنشاء التحالف الدولي المؤقت للدعم المالي للسلطة الفلسطينية حتى تتحرر من الضغط المالي الأميركي الإسرائيلي، وينبغي وضع آليات لضمان الاستمرار والفاعلية. 
سابعا: مواصلة العمل العربي والدولي للحفاظ على الأونروا كمنظمة فاعلة، رغم محاولات إسرائيل ومعها أميركا تفكيك هذه المنظمة الدولية البالغة الأهمية سياسيا ومعيشياً للاجئين الفلسطينيين. وأن جهود الأردن في هذا المجال ومنها المؤتمر الدولي في الأمم المتحدة أول من أمس بالتشارك مع أسبانيا والبرازيل تحتاج من المجموعة العربية الدعم المالي والسياسي علما بأن مساهمة الأردن في دعم اللاجئين تتجاوز 300 مليون دينار سنوياً. 
ثامناً: على الدول العربية المجاورة لفلسطين المحتلة وهي الأردن ومصر وسورية ولبنان والعراق والسعودية أن لا تتهاون أمام الخطر الاستعماري الصهيوني، سواء في تهجير الفلسطينيين أو التوسع أو استخدام الماء والغاز والمؤسسات المالية الدولية كسلاح سياسي وأن تضع البرامج المستقرة والفعالة المناسبة للتعامل مع هذا الخطر 
وتفرعاته حتى ينتهي.
وأخيراً فإن جهود الأردن الموصولة على كل صعيد وجهود الدول العربية الأخرى وصمود أهلنا في غزة والضفة الغربية وانكشاف العدوانية الإسرائيلية أثمرت هذا التحول الدولي الهائل باتجاه دعم حقوق الفلسطينيين وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشرقية. ومع هذا فإن مغالطات نتنياهو ومماطلاته ونواياه الخبيثة، وتعصب الصهيونية المسيحية في أميركا وتقلب الرئيس الأميركي، كل ذلك يتطلب المواجهة القوية بالتماسك الوطني والعربي والتنسيق الدولي، والحكمة والسياسة والمرونة وبعد النظر، فالطريق ما تزال في منتصفها والعقبات ليست قليلة.