سياسات الأوهام.. وأوهام السياسة

تتأرجح أنظار المواطن العربي من مؤتمر قمة الى آخر، أملا في حدوث تغيير يخرج المنطقة من أزماتها إلى وضع أفضل. وكان مؤتمر الدوحة آخر هذه المؤتمرات الموسعة حيث شاركت فيه 57 دولة عربية وإسلامية وانتهى المؤتمر وكأنه الأول.

المفردات لم تتغير وانحصرت كما هو معلوم بعبارات الاستنكار والرفض والإدانة، والرجاء إلى المجتمع الدولي ليقوم بوقف الحرب الإجرامية الصهيوأميركية على غزة، بل رجاء المجتمع الدولي ليقوم بكل ما يفترض أن تقوم به المجموعة العربية تساعدها المجموعة الإسلامية.  وهكذا تنتقل السياسات العربية أي سياسة مجموعة الأقطار العربية من وهم إلى آخر.


فمنذ 50 عاما خرج أحد الزعماء العرب بنظرية أن « الحل الوحيد لمشكلات السلم والاستقرار في المنطقة يكمن في يد أميركا ولا أحد سواها. وبالتالي إذا كان العرب يريدون حل المسألة الفلسطينية فعليهم التوجه إلى أميركا. وجرى التأكيد على هذه المقولة سنة بعد سنة، حتى أصبحت من ثوابت التفكير السياسي العربي من جهة، وحتى استغرق العرب من جهة ثانية في الاعتماد على أميركا في كل أمر.

 

واستغلت إسرائيل هذا الانزياح السياسي الاقتصادي لتظهر نفسها أنها المدخل بل البوابة الرئيسية للبيت الأبيض، وبالتالي أصبحت مناشدة العرب لأميركا ووكلائها هي النغمة السائدة والنشيد اليومي للإعلام وللكثيرين من السياسيين والمحللين والكتاب. وتثبت الأيام، وبشكل عملياتي قاطع بعد توقيع معاهدات السلام مع مصر ومنظمة التحرير والأردن، أن لا سلام ولا استقرار في المنطقة، رغم إعلان خطة السلام العربية عام 2002 التي أستهزأ منها شارون انذاك، ورغم تكرار عبارة أن «السلام هو الخيار الإستراتيجي للعرب» أو كما قال الراحل أنور السادات إن حرب 1973 هي آخر الحروب، وكأن الأمر يتحقق بالأماني من جانب واحد. وفي هذه الأثناء وحتى اليوم لم تتوقف إسرائيل عن عدواناتها المعلنة والصامتة التجسسية والعسكرية والاستيطانية وقضم الأراضي وإعلان السيادة، وآخرها ما تقوم به إسرائيل من حرب إبادة ضد الأبرياء في قطاع غزة، وضغوطات التدمير والتهجير الذي تعمل عليه في الضفة والقطاع وبدرجة أقل لبنان وسورية. وهنا وبعد أن وصل الحال بإسرائيل لتستبيح المنطقة بكاملها بتغطية ومساعدة أميركية كاملة، ألا يحق للمواطن العربي أن يتساءل: إلى متى؟ نعم إلى متى؟


وهنا لا بد من  الإشارة إلى عدد من المسائل لم يعد السكوت عنها مجدياً. 
اولا: إن العداء للعرب عموما والتوسع واحتلال الأراضي العربية ابتداء من فلسطين وانتهاء بدول مجاورة كل ذلك جزء من العقيدة السياسية والتربوية والثقافية في إسرائيل، وغدا المجتمع الإسرائيلي متمسكاً بها، وكما قال نتنياهو: إن إسرائيل محاطة بكرة من النار. ولا توسع يمكن أن يتحقق دون حروب ودون اعتداءات. 


ثانياً: إن موضوع السلام وحسن الجوار والتعايش مع الدول المجاورة ليس مدرجا على الأجندة السياسية أو العسكرية أو الثقافية لإسرائيل. فالتوسع وحلم إسرائيل المتوسطة أو الكبرى، الذي يتجدد التصريح به بين الفينة والأخرى، لا ينسجم مع مفهوم السلام والتعايش. 


ثالثاً: إن الدول العربية أوهمت نفسها وشعوبها أن الولايات المتحدة الأميركية يمكن أن تكون وسيطا عادلاً مع إسرائيل. وتحاول الأنظمة أن تتجاهل الحقيقة الراسخة بأن ما تفكر به إسرائيل من توسع هو جزء من التفكير الأميركي العميق، وان تفكيك المنطقة 


وتفتيت الدول العربية، وبالتالي بقاء إسرائيل وقوتها وسيطرتها في  المنطقة يخدم المصالح الأميركية في كل اتجاه. 


رابعاً: إن الدول العربية أوهمت نفسها وشعوبها أيضاً بأن السلام يتحقق من خلال التفاوض والعلاقات الدبلوماسية والوساطات فقط، وتجاهلت أن السلام يختلف جذريا عن الحرب. فالحرب يمكن ان تكون من طرف واحد، في حين أن السلام يتطلب طرفين متوافقين متكافئين تقريبا في القوة الرغبة بالسلام وليس الإخضاع والاستيلاء والسيطرة. 


خامساً: إن أميركا منذ نشأتها ترى في الحروب حالة طبيعية، سواء ما كان منها مباشرة كما حصل في حرب كوريا عام 1950 أو حرب فيتنام واستمرت 20 عاماً أو حرب افغانستان 20 عاماً أوحرب العراق 8 سنوات، إضافة إلى تدخلاتها العسكرية المعلنة في البلقان والصومال وشمال غرب باكستان وغيرها ناهيك عن التدخلات السرية. وبالتالي فإن السلام والهدوء خارج أميركا ليس في القاموس الأميركي لأسباب سياسية وهي السيطرة والنفوذ، وأسباب اقتصادية هي التحكم بالأسواق وإنتاج وبيع الاسلحة والمعدات العسكرية. 


سادساً: إن الجانب العربي سيطر عليه الوهم بأن السلام مسألة عادية لا تتطلب الاستعداد ولا تتطلب القوة العسكرية والاقتصادية والمجتمعية والتكنولوجية، ولا تتطلب الا الدبلوماسية الماهرة والقانون الدولي. وهذا الوهم يدحضه الواقع. حيث إذا لم تكن الدولة مستعدة للحرب، فإن الخصم لن يختار السلام. والحرب الباردة بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية نموذج حي على ذلك. كما ان حالة الضعف «تغري الخصم بسبب فارق القوة بالتدخل» والهجوم والسيطرة كما نرى اليوم في الحالة السورية واللبنانية مع إسرائيل. 


سابعاً: إن أي وساطة أميركية لا تعنى في العقل الأميركي الحياد والعدل والقانون وانما تعني ببساطة ووضوح كما يبينها بشكل  صريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب ان الوساطة فرصة لمتابعة التفاوض بين الخصمين وحثهما على الاستمرار حتى يحقق الوسيط نعم الوسيط مكاسب حقيقية لنفسه. 


وأخيراً، ماذا يمكن لإسرائيل أن تفعل أكثر مما تفعله اليوم لإثبات تهديدها للبلاد العربية،؟؟ وماذا يمكن لأميركا أن تفعل أكثر مما تفعله اليوم من خداع وإيهام للعرب ودعم مطلق لإسرائيل وتعطيل القوانين والمؤسسات والقرارات الدولية، حتى يقتنع العرب بأنهم يغوصون في بحر من الأوهام سيؤدي في مستقبل بلادهم إلى المجهول. ومتى يقتنعون بأن الحالة العربية تتطلب اقتراباً عملياً مختلفاً كما أشار الملك عبدالله الثاني في قمة الدوحة. اقتراب يقوم على الاستعداد وعلى تماسك الدول المحيطة بإسرائيل وأهمها مصر والأردن والسعودية وسورية ولبنان والعراق. فلا شيء يغير الموقف الإسرائيلي إلا قوة عربية اقتصادية سياسية عسكرية استخباراتية تكنولوجية مناظرة. فجوهر الأمن الإسرائيلي كما تؤمن به وتعمل عليه إسرائيل يكمن في الضعف العربي والتفكيك للدول بشتى الوسائل المشروعة وغير المشروعة وديمومة الاحتضان الأميركي. فهل تخرج السياسات العربية من فضاء الأوهام وتنطلق لصناعة المستقبل بواقعية مسؤولة بجهدها وتضحياتها وتحالفاتها ومشاركة شعوبها؟ تلك هي المسألة.