التحديث الاقتصادي.. وتمويل مفردات التعليم

يحتل التعليم موقعاً مهما، بل أساسيا في برامج التحديث الاقتصادي. وقد ركز البرنامج على تحسين جودة التعليم والإفادة من التعليم الرقمي وتفعيل دور الإدارات في تطوير التعليم، إضافة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي على مختلف المستويات. وأكد وزير التربية والتعليم على أن الأهداف الإستراتيجية تتمثل بتخريج متعلمين قادرين على التفكير الناقد وحل المشكلات والريادية والابتكار، وتعليم عالي يتسم بالإنصاف ويقوم على البحث والريادة والابتكار وتلبية احتياجات سوق العمل المحلي والدولي. هذا إضافة إلى تطبيق نظام الثانوية العامة الجديد وزيادة مخصصات صندوق الطالب لتصل 30 مليون دينار للعام 2025\2026 . غير أن البرنامج لم يتطرق بوضوح إلى منهجية تمويل مفردات التحديث من حيث الأرقام والمصادر، حيث يلعب التمويل دوراً حاسماً في نجاح البرامج واستمراريتها وإمكانات تطويرها. ومن المفيد في هذه الحالة التركيز على معالجة كيفية تمويل المفردات الرئيسية بعينها، بدلاً من التعميم في التناول، خاصة وان إمكانات زيادة الإنفاق على التعليم تواجهها الكثير من العقبات حتى اليوم. وما يزال الإنفاق في بلادنا على التعليم ليس بالقدر الذي يحقق النوعية والجودة التي نطمح إليها.إذ لا يتجاوز الإنفاق  3.55 % من الناتج المحلي الإجمالي أي بواقع 550 دينارا سنوياً لكل طالب في التعليم الساسي، وبعد دفع رواتب المعلمين والموظفين لا يتبقى منها سوى 110 دنانير لكل طالب لمواجهة كافة المتطلبات. وهو مبلغ متواضع بالمقاييس الدولية ذات التعليم المتميز، وبالمقاييس المرتبطة بتطلعات برنامج التحديث. وسوف نتناول هنا مفردتين من مفردات التعليم: الأولى هي التغذية المدرسية والثانية نفقات التعليم الجامعي باعتبار هاتين المفردتين تتمتعان بأهمية خاصة للمدرسة وللجامعة  ولهما تأثير مجتمعي مباشر.
 وهنا لا بد من الإشارة إلى النقاط الرئيسية التالية: 
أولاً: مهما كانت الأساليب والبرامج فإن تحسين جودة التعليم والارتقاء بمستواه يتطلب قطعاً زيادة الإنفاق على التعليم الأساسي ليتناول التأهيل المهني الحديث للمعلمين، وتحسين وتحديث وتخضير البيئة المدرسية، وتزويد المدرسة بالأجهزة والمعدات والحواسيب وشبكات الإنترنت ليتجاوز 850 ديناراً لكل طالب مدرسي، ويتطلب الارتفاع في الإنفاق على التعليم الجامعي لتتجاوز الكلفة الاقتصادية 7500 دينار لكل طالب جامعي. وهذا يستدعي زيادة الإنفاق على التعليم من 3.5 % من الناتج المحلي الإجمالي إلى 5 % من الناتج المحلي الإجمالي. 
ثانياً: إن الاعتماد على التمويل الأجنبي من منح ومساعدات وقروض لا يضمن على الإطلاق الاستمرارية والسرعة المطلوبة حتى تؤتي برامج التحديث ثمارها وتحرك الاقتصاد الوطني، عدا عن الديون والالتزامات المرهقة المترتبة على مثل هذا الاتجاه. الأمر الذي يتطلب اعتماد التمويل الوطني الرسمي والمجتمعي وبأساليب غير تقليدية حتى تتجاوز الدولة الصعوبات. 
ثالثاً: إذا أخذنا «التغذية المدرسية» بكلفتها القريبة من 60 مليون دينار سنويا، والتي هي بالغة الأهمية والضرورة للكثيرين من ابنائنا وبناتنا الطلبة، ويستفيد منها حالياً ما يقرب من نصف مليون طالب، فإنها تعاني من عدم انتظام التمويل منذ سنوات بسبب الاعتماد على مساعدات وقروض متفرقة إضافة إلى مساهمة الخزينة، مما يجعلها هشة ويصعب التوسع فيها لتشمل على الأقل 50 % من الطلبة في التعليم الأساسي وبشكل نوعي جيد. وهذا يتطلب أن تخصص الحكومة لصندوق أو حساب التغذية المدرسية نسبة مئوية في حدود 1.5 % من ضريبة المبيعات الخاصة بالمطاعم والسلع ذات التأثير السلبي على الصحة ابتداء من السجائر والمشروبات الكحولية مروراً بالمشروبات الغازية وانتهاء بمفردات بمواد غذائية غير صحية للصغار. وهذا من شأنه أن يضمن دخلا مؤكداً يمكن من خلاله توسيع وتحسين التغذية المدرسية وضمان نوعيتها واستمراريتها.
 رابعاً: إن تطوير التعليم الجامعي يستدعي الكثير من النفقات الإضافية في المباني والمختبرات والمشاغل مما يؤدي لرفع الكلفة الاقتصادية للتعليم إلى مبالغ أكبر بكثير من الرقم الحالي 5000 دينار للطالب. وهنا يواجه الموضوع إشكالية مزدوجة: الحكومة لا تستطيع الإنفاق على مثل هذه الزيادات، والطالب في نفس الوقت لا يستطيع تحمل الرسوم الجامعية المرتفعة. وهنا ليس من حل أفضل وأضمن من إنشاء بنك التعليم، وليس الاكتفاء بصندوق الطالب.
ذلك أن أعداد الطلبة الجامعيين في تزايد سريع متواصل لا يمكن تغطية احتياجاته من صندوق تدعمه الحكومة بمبالغ محدودة.
خامساً: يعمل بنك التعليم على منح قروض للطلبة لدفع الرسوم الجامعية ونفقات التعليم الأخرى، ويتم تسديد هذه القروض بعد التحاق الطالب الخريج بالعمل. ويكون دور الحكومة تنظيم العملية مع البنوك لتتولى البنوك الجانب العملي التنفيذي بينما تكون مساهمة الحكومة بالفوائد التي تدفعها للبنوك. وهكذا فالطالب يأخذ قرضاً بدون فوائد، وهذا يمكن أعدادا كبيرة جداً من الطلبة لكي تستفيد من هذا الترتيب، وتمكن الطالب من اختيار التخصص الراغب فيه والمؤهل له. وبنفس الدرجة من الأهمية فإن بنك التعليم من شأنه أن يزيح عبئاً ثقيلاً عن العائلة وهو الإنفاق على الطالب والكثير من العائلات لها أكثر من طالبة أو طالبة في نفس الوقت مما يترك أثراً اجتماعياً إيجابياً بمردودات اقتصادية مفيدة. 
سادساً: إن اعتماد الجامعات على الرسوم التي يدفعها الطلبة مع المساعدات الحكومية المحدودة سوف لن يخرج الجامعات من ازمتها. وهنا لا بد للجامعات أن تعمل وبالتشارك مع الحكومة على تخفيض حجم الجسم الإداري من وضعه الحالي إلى الوضع في الجامعات المتقدمة: إداري واحد لكل 2 من هيئة التدريس مستفيدة من التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي في كل الجوانب اللازمة. 
سابعاً: ان يكون إنشاء وقفيات ليتم استثمار عائداتها وليس أصولها إلزامياً على كل جامعة رسمية و خاصة بحكم القانون وتساعد الحكومة على ذلك.
ثامنا التشبيك الفعال بين الكليات والأقسام وبين الشركات والمؤسسات ذات العلاقة بالتخصص ليتحرك البحث والتطوير بالاتجاهات التطبيقية، وبفرص أفضل للتمويل.
وأخيراً فإن تمويل مفردات برامج التحديث يجب أن يكون وطنيا مجتمعيا، وضمن صناديق راسخة بالقانون لا تستطيع الخزانة السيطرة عليها متى تشاء. إن النظر في تمويل المفردات وابتكار الحلول التي تجعل المواطن والمؤسسة والشركة والحكومة شركاء في كل ذلك هو الطريق للنجاح في المستقبل.