بين تصدير الأزمة وأهداف التشتيت والشقاق

الحملة المشبوهة التي يواجهها الأردن اليوم، والهادفة إلى التشكيك في جدوى ما يقدمه لأشقائنا في غزة بشكل خاص، وفي فلسطين بشكل عام من غذاء ودواء ووقود وغيره من المعدات وأساسيات الحياة، هذه الحملة الخبيثة لا تستحق الاهتمام أو الانشغال بها عن كل عمل وطني مفيد. ومثل هذه الحملات ليست جديدة ولا تغير الحقيقة الراسخة التي تدركها معظم دول العالم، وهي الدور المتميّز للأردن أولاً على الصعيد الفلسطيني المباشر، وثانياً على الصعيد الدولي، والأهم من كل ذلك يقدرها الأشقاء في غزة والضفة الغربية والدول العربية الأخرى. إلا أن الإشكال يتمثل في التصريحات البعيدة عن المسؤولية، ومواقع التواصل الاجتماعي التي تتيح الفرصة لأي جهة أو دائرة أو دولة أو شخص أن يطلق التغريدات التي يريد، أو ينخرط في توليف التقارير دون أن يسأله أحد عن صحة ما يدعي أو يطلقه هنا وهناك. كذلك فقد أتاحت الثورة الرقمية وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الفرصة لفبركة الصور والأصوات والخطوط بشكل غير مسبوق ابتداء من صور رؤساء الدول وانتهاء بالفنانين والمثقفين من الكبار والصغار على حد سواء. يضاف إلى ذلك أن حالة التبعثر العربي والفتن الطائفية والمذهبية التي اطلقتها بعض الجماعات وعمقتها المجموعات المتطرفة وغذتها الدوائر الصهيونية خلال العقد الذي تلا الربيع العربي، خلقت حالة من عدم الثقة لدى الإنسان العادي بما يرى ويشاهد ويسمع، وجعلت من السهل خداع الجمهور بكلمات ظاهرها وطني أو قومي أو إنساني أو ديني وباطنها سياسي مغرض.
وهنا لا بد من التركيز على عدد من النقاط: 
اولاً: إن الأردن ليس بحاجة للدفاع عن نفسه أمام الاتهامات الرخيصة أو المغرضة أيا كان مصدرها. فكل أردني من أقصى جنوب البلاد إلى أقصى شمالها يعلم بيقين ويشاهد الجهود التي تبذلها الدولة الأردنية بصدق وأمانة 
وتعاطف دائم وعروبة خالصة لدعم أشقائنا في فلسطين ولمساندة القضية الفلسطينية عموماً على المستوى العربي والدولي. 
ثانياً: إن الجهود الدبلوماسية الأردنية بقيادة جلالة الملك كانت مثمرة ومنتجة بدرجة تستحق التقدير لنجاحها في تحويل مواقف العديد من الدول المهمة مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا وكندا، واستعدادها للاعتراف بالدولة الفلسطينية لتتبعها دول أخرى مثل هولندا والبرتغال وإيطاليا. 
ثالثاً: كان الملك هو السياسي العربي الوحيد الذي خاطب زعماء الاتحاد الأوروبي بلهجة قوية وواضحة ومقنعة، وكشف لهم بكل مسؤولية وصراحة وحنكة فداحة الجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وضد القانون الإنساني والمبادئ الأخلاقية، وفداحة الخطأ الدولي بالسكوت عن تلك الجرائم. رابعا: ونحن نرى اليوم الكيان الإسرائيلي وقد أصبح عالميا في شبه عزلة واستنكار على المستويات الشعبية والرسمية. ولولا الغطاء الأميركي الأعمى والرئيس الذي تحكم مواقفه الرؤية الصهيونية المتطرفة لأصبحت إسرائيل دولة منبوذة بكل معنى الكلمة. 
خامسا: ان ما يجرى في أوروبا وكندا وغيرها من دول العالم من تغيير إزاء الموضوع الفلسطيني، ما كان ليتحقق بدون جهود أردنية وسعودية دؤوبة ودون وجهود مصرية وقطرية و خاصة في الوساطة بالمفاوضات. 
سادساً: إن إسرائيل ليست بعيدة عن هذه الحملة المشبوهة المرفوضة، بل هي في مركزها والمؤجج لها، فقد دأبت إسرائيل ومنذ عام 1948 على تصدير أزماتها إلى الخارج وخاصة الدول العربية القريبة منها وأولها الأردن. ونقطة الارتكاز في تصدير الأزمة تتمثل في تحميل العرب مسؤولية ما يجرى في فلسطين بطريقة أو بأخرى، مستندة إلى مبدأين رئيسيين الأول العمل على تشكيك كل دولة عربية بذاتها والثاني تشكيك العرب بعضهم ببعض وتشكيك الفلسطينيين بمن يناصرهم. 
سابعاً: لقد مكنت وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا الرقمية المجموعات المتخصصة في الكيان الصهيوني على بث الإشاعات بسهولة، واختلاق الأزمات في البلاد العربية من خلال تغريدات أو أخبار أو صور سياسية أو دينية  أو اقتصادية أو فكرية تصنعها الأيدي الإسرائيلية وتظهر تحت أسماء وهمية سواء كانت عربية أو فلسطينية أو أجنبية.
وأخيراً فإن الدولة الأردنية بقيادتها وحكومتها ومؤسساتها ومواطنيها لا ينبغي أن تعطي اهتماما لمثل هذه الحملات. فالهدم سهل والبناء صعب. والكلام ليس من قيود عليه ولا كلفة، في حين يتطلب العمل الجهد والوقت والتضحية. وعلى الأردن أن يستمر في العمل المنتج وبرامج التحديث الفعالة وتطوير الاقتصاد نحو الإنتاج والتشارك المجتمعي وتحسين التعليم والصحة والبنية التحتية 
والثقافة، ليبقى الأردن قوياً فاعلا ومؤثرا في شتى المجالات. فالأردن القوي هو قوة لكل مواطن فينا وقوة لأهلنا في فلسطين. وعلى الأردنيين أن يحافظوا على تماسك المجتمع الأردني ويظهروا حبهم وولاءهم لوطنهم من خلال العمل والإنتاج والإبداع دون تردد أو توقف. وتلقائيا فإن مواقف الأردن العروبية تجعله دائما سنداً للصفوف العربية وتجعله دائما سنداً قويا للشعب الفلسطيني الذي يواجه كيانا عنصرياً متقناً للخداع، وموغلاً في الوحشية والتوسعية الاستعمارية، ويعمل دائماً على فصل الشعب الفلسطيني عن محيطه العربي وعمقه الإستراتيجي العربي والذي يشكل الأردن العمود الرئيسي فيه. وأشقائنا في غزة بحاجة إلى المساعدة والإمداد مهما كان شكله وحجمه وليس الصراخ والتشكيك.
وكما قال الملك: إن استمرار الأردن بكل نشاطاته الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية يجب أن يتواصل وبفاعلية أكثر وبنظرة مستقبلية متفائلة فالدول يبنيها العمل وليس الكلام.