التصنيفات العالمية.. بين المصلحة والشهرة

آثارت تصريحات وزير التعليم العالي حول نزاهة البحث العلمي في  الجامعات الأردنية الكثير من اللغط والاهتمام، سواء من المختصين الأكاديميين أو من المواطن المهتم الذي يتابع مجريات الأحداث أو من الإعلام. ولا شك أن التصريح كما نشرته وسائط الإعلام وهو «ان (بعض)الجامعات الأردنية تعتمد على المال في ترويج مكانتها في البحث العلمي وفي الحصول على مواقع متقدمة في التصنيفات العالمية للجامعات إضافة إلى سرقة الأبحاث وانتحالها من بعض الأكاديميين.» أن ما استند  إليه الوزير في تصريحه يعود إلى مؤشر اودليل اطلق عليه دليل نزاهة البحث العلميResearch Integrity Index  والدليل هذا جديد نسبيا في عالم الأكاديميا، وإن كان يستحق النظر فيه وفي نتائجه وكيفية الوصول إليه. وهنا لا بد من التأكيد على عدد من المسائل وعلى النحو التالي.
أولاً: إن  البحث العلمي والتطوير التكنولوجي هو ركن أساسي من أركان عمل الجامعة، ولا ينظر إلى أي جامعة بالتقدير والاهتمام إذا كان البحث فيها غائباً أو ضعيفاً أو مشكوكاً فيه. 
ثانياً: إن التعميم بشكل مفتوح كأن نقول الجامعات الأردنية بدلاً من القول «عدد محدود» من الجامعات الأردنية أو «بعض الجامعات» مثل هذا التعميم من شأنه أن يخلق حالة من سوء الفهم ومن التشكيك بالقطاع بكامله، بكل ما فيه من أساتذة وطلبة وإدارة واستثمار وإنجاز. 
ثالثاً: إن التوسع المتسارع للتعليم الجامعي خلال الثلاثين سنة الماضية على مستوى العالم حيث هناك أكثر من 40 ألف جامعة، وعلى المستوى الإقليمي، إذ نجد 1200 جامعة عربية وعلى المستوى الوطني حيث وصل عدد الجامعات الأردنية 32 جامعة، كما وتصاعدت أعداد الطلبة عالمياً ليصل العدد 264 مليون طالب جامعي، ووطنياً يصل العدد 475 ألف طالب، وتضاعفت أعداد الأكاديميين فوصلت 6.5 مليون أكاديمي عالميا و(14) ألف أكاديمي في الأردن، كل ذلك خلق فضاء بالغ الاتساع والتنوع للتعليم الجامعي والبحث العلمي ونشر البحوث والرسائل الجامعية، بل ساعد على تطوير صناعة التعليم العالي على المستوى الدولي والتي تقدر قيمتها بـ 50 مليار دولار/سنوياً ونحن في الأردن تصل إلى 2.3 مليار دولار سنوياً. وهذا دفع بعض الشركات وبعض أصحاب الأعمال للدخول في كافة مفردات التعليم الجامعي، ابتداء من إنشاء الجامعات وانتهاء بتمويل الأكاديميين والأبحاث العلمية. رابعاً: أدت هذه الحالة أي اتساع سوق التعليم الجامعي بكل مفرداته إلى ظهور انحرافات هنا وهناك عن الحالة المثالية للتعليم. ولأن مكانة الأكاديميين وبالتالي الجامعة أصبحت ترتكز في أحد أركانها الى المساهمة في البحث العلمي المنشور في المجلات العلمية العالمية، فقد دخلت الأعمال إلى هذا المجال بقوة سواء لدى البعض من طلبة  الدراسات العليا أو البعض القليل من الأكاديميين، وعدد أقل من الإدارات الجامعية. فهذا قد يشتري رسالة، وذاك قد يشتري بحثاً . 
خامساً: إن الاهتمام بتصنيف الجامعات انطلق مع بداية القرن الحادي والعشرين وتم نشر تصنيف شنغهاي الأكاديمي العالمي للجامعات لأول مرة عام 2003. اما التصنيف العربي فقد تم وضعه عام 2022. ولأن التصنيفات عموماً تعتمد على معايير صارمة فقد أصبحت تلك التصنيفات مقياساً لنوعية التعليم، والمستوى العلمي للجامعة، ومدى أصالة البحوث العلمية وإضافتها إلى المعرفة الإنسانية.ومن هنا دخلت بعض التصنيفات في عالم الأعمال، أو تسللت الأعمال إلى بعض التصنيفات، كما أصبح ترتيب أي جامعة في التصنيف العالمي له آثار أكاديمية مهمة وآثار اقتصادية من حيث الإقبال على الجامعة من الطلبة أو فرص التعاقد معها للبحث أو التطوير أو التعليم. وهنا قد نجد عدداً محدوداً في العالم من الجامعات تسعى للحصول على مرتبة متقدمة في التصنيف بطرق ملتوية، وبأي وسيلة، مما أساء إلى سمعة تلك الجامعات. 
كل هذا لا ينبغي أن يصرفنا عن النظر المعمق والإشارة إلى الدور الأساسي للجامعة وهو «التعليم، والبحث العلمي والتطوير التكنولوجي، والمساهمة القوية في التنمية الاقتصادية، والتقدم المجتمعي، إضافة إلى المساهمة في إغناء العلم والمعرفة الإنسانية». وإذا غاب دور الجامعة في تعزيز التنمية الاقتصادية وتعجيل التقدم المجتمعي في بلادها ،فإن دورها الوطني يصبح محدوداً في التعليم ونشر الأبحاث التي قد يستفيد منها الآخرون ولا يستفيد منها الوطن. 
ومن هنا فإن الدول حين تكون في مرحلة النهوض والتحول الاقتصادي الاجتماعي، فإن الدولة تدفع جامعاتها وأكاديميها للتركيز على البحوث التطبيقية والتجريبية التي تساعد على حل مشكلات في القطاعات المختلفة، من صناعة إلى زراعة إلى مياه إلى طاقة وغير ذلك، حسب كل بلد وحالته. 
هكذا فعلت اليابان وكوريا والصين وماليزيا وسنغافورة وغيرها. لم تكن الرتبة في التصنيف العالمي للجامعات هي الهاجس الرئيسي لديهم، ولم يكن النشر في المجلات العالمية هو المحرك الرئيس للبحث، إلاّ بعد أن انطلق الاقتصاد والمجتمع، وتمكنت البنية الاقتصادية في أبعادها العلمية والتكنولوجية من التماسك و المنافسة، وبعد أن أخذت تلك الدول مكانتها في العالم.
وقد تم إضافة عدد من المؤشرات ومنها دليل التوظيفية employability index (أي مدى نجاح الخريجين في الالتحاق بوظيفة خلال فترة زمنية محددة) وعدد براءات الاختراع التي تصدر عن الجامعة، والمشاريع الريادية التي يبدعها الخريجون.
ومن هنا فإن من مسؤولية الدولة لدينا ولدى الدول النامية أن تدفع الجامعات الوطنية لتنخرط من خلال بحوث أساتذتها في مشكلات الوطن بكل تفاصيلها، ليكون هناك تصنيف وطني يعطي الرتبة الأعلى للجامعة الأكثر مساهمة في حل المشكلات الوطنية وتطوير الصناعات والزراعة والسياحة والخدمات، والأعلى في التوظيفية وبراءات الاختراع والمشاريع الريادية للخريجين، دون الانفصال عن العالم المتقدم، فهذه كلها مسائل أساسية ما تزال في بلادنا بحاجة إلى العلم والتطوير والإبداع وبعد ذلك لتذهب الجامعات إلى الاهتمام بالتصنيفات العالمية بشكل أو بآخر.
وأخيرا هل نأخذ ملاحظات الوزير من مدخل إيجابي فتعمل كل جامعة على التأكد من دورها الوطني والنزاهة البحثية لأعضاء هيئة التدريس و للطلبة ،خاصة وأن الذكاء الاصطناعي أضاف تعقيدات جديدة للموضوع ؟ وهل تعمل الدولة على توجيه الجامعات للمشكلات الوطنية التي تتطلب البحث والتطوير والإبداع ؟