التنمية في الأقطار العربية.. والعدوانية الإسرائيلية المتواصلة

خلال الأيام القليلة الماضية وقع حدثان ملفتان للنظر، الأول المؤتمر الدولي حول تمويل التنمية في الأقطار النامية، والثاني تقرير كل من مفوضة حقوق الإنسان في فلسطين وتقرير منظمة العفو الدولية. فبالنسبة للحدث الأول، انعقد المؤتمر الدولي الرابع حول تمويل التنمية في مدينة اشبيلية/اسبانيا ولمدة ثلاثة أيام من 30/6 حتى 3/7. وقد ركز المؤتمر على 4 مسائل رئيسية في إطار عام هو بالدرجة الأولى “مسؤولية الدولة في التنمية والتي لا  ينبغي أن تعتمد فقط على التمويل الدولي من أجل التنمية”. وهذه  المسائل هي:
 أولاً: الاستثمار الإنتاجي في الريف، أو ما أسماه المؤتمر التحّول الريفي. حيث يلاحظ في معظم الدول النامية ونحن منها والمنطقة العربية ان المساعدات والمعونات والقروض والمنح غالباً ما تذهب لمشاريع خدمية في المدن والبلدات بعيداً عن الهدف الواضح وهو احداث تحولات جذرية في الأرياف. ويرى المؤتمر الذي نظمته الامم المتحدة ان كل دولار يستثمر في الزراعة في الريف ينتج 16 دولارا في المقابل، وتكون هي العامل المحرك في التطوير الاجتماعي والانتاجي والمعيشي في القرى والارياف. ومثل هذا الانتاج والاستثمار من شأنه ان يفتح الباب واسعاً للصناعات الغذائية، وتعزيز امكانات الاقتصاد الوطني اضافة الى  خلق الكثير من فرص  العمل التي تحتاجها الارياف. انه استثمار استراتيجي للقضاء على الفقر والجوع واحلال السلام المجتمعي وتعزيز الامن الغذائي والسلام الوطني.
 ثانياً: توظيف عائدات المغتربين في التنمية. حيث تبرز تحويلات المغتربين الى اوطانهم كمصدر مهم لتمويل التنمية الوطنية يفوق الاستثمار الأجنبي المباشر والمساعدات الإنمائية الرسمية. وتتجاوز تحويلات المغتربين على مستوى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل ونحن منها 685 مليار دولار سنوياً. وبالنسبة لنا في الاردن تتجاوز تحويلات المغتربين الاردنيين 2.25 مليار دينار. فما هي برامج الحكومة لتوجيه جزء كبير من هذه التحويلات الى استثمارات وخاصة في مشاريع جديدة في المحافظات والأرياف بعيداً عن التركيز على شراء المباني والأراضي وما شابه. وأكد المؤتمر ضرورة تخفيض كلفة التحويل لأموال المغتربين وتعزيز الحلول الرقمية والشمول المالي لتوجيه المزيد من الأموال من أجل التنمية.
ثالثا: الشراكات بين الحكومة والقطاعات المختلفة لتمويل المشاريع الجديدة وتعزيز مساهمة المواطنين في عمليات التنمية من خلال أموالهم ومدخراتهم مهما كانت بسيطة او متواضعة، مما يعطي اهمية كبيرة للشركات المساهمة العامة المتوسطة والكبيرة والشركات التعاونية.
رابعا: مواجهة التهرب الضريبي والذي يشكل النجاح في التعامل معه ومواجهته عائدات كبيرة يمكن أن تحدث قفزات نوعية في عمليات التنمية وخاصة إذا تم توظيفها في المشاريع الإنتاجية. 
والحدث الثاني هو تقرير المفوضة الأممية لحقوق الإنسان في فلسطين وتقرير منظمة العفو الدولية حول حرب الإبادة الإسرائيلية في فلسطين. وكما هو معلوم من المتوقع أن يلتقي غداً الاثنين السابع من شهر تموز الرئيس ترامب ورئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو في واشنطن حيث  ينتظر الجميع الإعلان عن هدنة مدتها 60 يوما والإفراج عن عدد من الأسرى الإسرائيليين وجثث بعض من قضوا نحبهم مقابل وقف مؤقت لإطلاق النار وإطلاق عدد من الأسرى الفلسطينيين والشروع في محادثات للوصول إلى وقف الحرب وانسحاب اسرائيل من غزة ولو جزئياً.
ومع تأكيد الرئيس ترامب على الوصول إلى اتفاق، إلا أن المراوغات الإسرائيلية من المتوقع أن تفسد كل ترتيب خاصة وأن المفوضة الأممية لحقوق الإنسان في فلسطين فرانشيسكا البنيزي قد بينت بكل أمانة وجرأة في تقريرها المكون من 200 صفحة ومن ضمنها الكثير من الوثائق تأكيد ارتكاب إسرائيل لجرائم وحشية ضد الإنسانية في غزة. وركزت البنيزي على النقاط الرئيسية التالية: 
أولاً: أن ما يجرى في غزة ليست حرباً وانما عملية ابادة جماعية ممنهجة.
 ثانياً: أن عمليات الابادة الجماعية في غزة هي الأكثر وحشية في التاريخ الحديث.
 ثالثاً: أن “مؤسسة غزة الإنسانية” التي أنشأتها إسرائيل مع الولايات المتحدة الأميركية لتقدم المساعدات الانسانية لمواطني غزة من دواء وغذاء “ما هي إلاّ مصيدة لقتل الفلسطينيين،” حيث يتشارك الجنود الاسرائيليون مع موظفي المؤسسة في قتل واصطياد الفلسطينيين الباحثين عن المساعدة.
 رابعاً: إن إسرائيل (وبدعم من الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها) توظف أكثر من 200 شركة أميركية وأوروبية في حرب الإبادة هذه.
وطالبت فرانشيسكا البنيزي بفرض حظر على تصدير الأسلحة لإسرائيل، ولم يستجب لمطالبة البنيزي إلا إسبانيا، بينما استمرت أميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا في تصدير المعدات العسكرية والخبراء والذخائر لإسرائيل كالمعتاد. هذا على الرغم من أن منظمة العفو الدولية طالبت أكثر من مرة بوقف تزويد اسرائيل بالأسلحة، وأكدت في كثير من تقاريرها ما أكدته مفوضة حقوق الإنسان في فلسطين. وكالعادة سرعان ما اتهمت اسرائيل والاعلام الصهيوني في أوروبا وأميركا البنيزي بل ومنظمة حقوق الانسان بمعاداة السامية. أما بن غفير وسموترتش فقد اعلنا مقدماً رفضهما الهدنة وأصرا على ضرورة احتلال غزة بالكامل وتهجير السكان.
والسؤال الكبير ما الذي سيمنع اسرائيل من شن حرب إبادة وتهجير مماثلة في الضفة الغربية اذا كانت تشعر بالأمان تجاه ردود الأفعال الدولية وغياب الفعل العربي باستثناء الأردن خاصة وأنها بدأت حرب التدمير في الضفة في المخيمات وفي منازل الفلسطينيين دون اي تحرك عربي جماعي باستثناء الشجب والاستنكار. 
لقد تعثرت التنمية في المنطقة العربية بشكل ملفت للنظر لأسباب كثيرة في مقدمتها حالة العدوان والتخريب وعدم الاستقرار الناشئة عن الممارسات الاسرائيلية من خلال سياساتها العدوانية تجاه العرب عموما بشكل ظاهر وشكل خفي، وخاصة الدول القريبة من اسرائيل كالعراق وسورية ولبنان والأردن ومصر والسعودية، وأثرت حروبها المستمرة وبمعدل حرب كل ثماني سنوات على أمن المنطقة واستقرارها وبالتالي أعاقت التنمية بشكل مباشر وغير مباشر، وهذه إشكالية تاريخية لا بد للدول العربية من مواجهتها بشكل عملي يحفظ لها الأمن والاستقرار والتنمية المطردة للمستقبل.