في الوقت الذي يحتدم فيه الصراع بين إيران والكيان الصهيوني، ينشغل الكثيرون من المتابعين للأحداث بالتصريحات التي تطلقها الاطراف المتحاربة، او تلك المؤيدة لها. ولعل أهم التصريحات هي تلك التي تصدر عن الرئيس الاميركي دونالد ترامب، باعتبار اميركا هي القوة العظمى والحائط الذي تستند اليه اسرائيل، بل والمخزن الذي يمدها بكل ما تطلبه ابتداء من المال والتكنولوجيا، مروراً بتعطيل القرارات والمؤسسات الدولية التي تدين دولة الاحتلال، وانتهاء « بالجنود الاميركان الذين يساعدون اسرائيل في اسقاط الطائرات الايرانية» كما صرح نتنياهو يوم الخميس. ويمكن القول بثقة هنا أنه ما من أحداث أو حروب أكدت وكشفت من جديد ووضوح تلك الاستراتيجية الاسرائيلية الراسخة، والتوجهات العميقة لكل من الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا والمانيا وفرنسا كما كشفتها حرب اسرائيل على غزة والضفة الغربية ومن ثم حربها على ايران.
وهنا لا بد من التأكيد على عدد من النقاط اولاً: ان العقل الاميركي البريطاني الألماني الفرنسي السياسي، وليس الشعوب، ما يزال تحكمه الرؤية الاستعمارية التقليدية. وإن كل ما يقال ويصرح به للعالم عن الانسانية وحق الشعوب ليس له علاقة بالسياسات الاستعمارية العميقة غير المعلنة لتلك الدول.
ثانياً: ان ثلاثي اوروبا واميركا ما يزالون ينظرون الى اسرائيل انها مشروعهم الاساس للسيطرة على المنطقة العربية بأسرها، إذ أنهم لم يتركوا البلدان التي استعمروها إلا بالقوة.
ثالثاً: ان الطريق للسيطرة على المنطقة العربية لها مدخلان: احدهما من خلال الوسائل الناعمة كالمساعدات والمنظمات الدولية والدبلوماسية، و ثانيهما من خلال إطلاق يد اسرائل بالوسائل الخشنة بما فيها القتل والتدمير والبطش العسكري المتوحش الذي نراه اليوم في فلسطين بكاملها والإحتلال في سورية ولبنان والتدمير للمرافق المدنية والعسكرية في اليمن وايران.
رابعاً: واستكمالا لمخطط السيطرة يعمل رباعي اميركا وبريطانيا وفرنسا والمانيا بقوة على ايهام الرأي العام العالمي ان اي عمل تقوم به اسرائيل مهما كان ضد القانون والانسانية والاخلاق والاتفاقيات والمعاهدات هو»حق االدفاع عن النفس»، وأي رد فعل من الجانب العربي او الايراني أو غيره هو عدوان على إسرائيل دون مبرر، وأن أي احتجاج أو استنكار للفظائع الإسرائيلية هو ضد السامية.
خامساً: ان جميع التحركات العسكرية الاسرائيلية، بالأمس واليوم وغدا، ضد دول المنطقة وشعوبها يجري بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة التي بدورها تعلم فرنسا وبريطانيا والمانيا. أما تصريحات زعماء ومسؤولي تلك الدول فهي فقط للتغطية او للمشاغلة كما حصل في الهجوم على ايران.
سادساً: إن الهدف الاستراتيجي للكيان الاسرائيلي وليس فقط نتنياهو ان يكون هناك فعلا شرق اوسط جديد تتحكم به اسرائيل وتسيطر عليه من مفاصل رئيسية خمسة هي: القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي واحتلال الاراضي التي تريد والتحكم في الطاقة والمياه والمنافذ اللوجستيكية.
كل هذا والعالم العربي منشغل بتأثير الإعلام الاوروبي الأميركي الذي تسيطر القوى الصهيونية على فصوله الرئيسية منشغل في المسائل التفصيلية والتحركات التكتيكية والتصريحات الدبلوماسية والمراوغة النتنياهية والفهلوة الترامبية، بعيداً عن العمل على مواجهة الهدف الاستراتيجي «لإسرائيل وحلفائها الذين يرون في اي قوة تكنولوجية او عسكرية او اقتصادية بعيداً عن سيطرتهم خطراً يهدد اسرائيل». إسرائيل التي تمتلك الرؤوس النووية منذ سنوات، وترفض التوقيع على معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية، في حين ان جميع البلاد العربية وايران أيضا ملتزمون بتلك المعاهدة . ولم يثبت أن ايران لديها اسلحة نووية أو اسلحة دمار شامل ولكن أميركا وحلفاءها مصرون على تكرار تمثيلية أسلحة الدمار الشامل في عراق 2003.
نعم بكل تقدير ان الملك عبدالله الثاني قد خاطب اوروبا والعالم بكل صراحة ومسؤولية وطنية وعروبية وإنسانية في خطابه المتميز في ستراسبورغ وأكد على مسألتين: الأولى ان الانحدار الأخلافي يتكشف في أوضح اشكاله (بموقف العالم وخاصة أميركا واوروبا) في غزة، والثاني ان السلام المفروض بالقوة لا يدوم.
وهنا نقول آن لأوان للأقطار العربية ان تدرك الخطر الداهم وتدرك ماذا يريد ترامب ونتنياهو وحلفاؤهما. ولكن ردع العدو يتطلب مواجهة استراتيجية بكل التعقل والقوة والعلم والتكنولوجيا والتماسك الوطني والتشارك العربي، وليس الانشغال بتحركات تكتيكية هنا وهناك.