تبين نتائج تقييم الأداء في البرنامج التنفيذي لرؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2023-2025 أن نسبة الإنجاز المتحققة بلغت 27.2 % من إجمالي الأولويات وذلك حتى الربع الأخير من العام الماضي وهناك 228 أولوية ما زالت قيد التنفيذ من أصل 545 أولوية و55 أولوية متأخرة و114 أولوية لم يبدأ العمل بها. ولا شك بأن التوجيهات الملكية تعطي اهتماما متواصلا وتأكيدا على مشروع التحديث الاقتصادي. ويعتبر جلالة الملك أن النجاح في التنفيذ سيكون البوابة الرئيسية لجذب الاستثمارات الأجنبية. كما وتقوم الحكومة بجهود كبيرة في هذا الاتجاه.
ومع هذا لا بد من القول بأن معدل التغيير الذي أحدثه العمل على البرنامج ما يزال ضئيلا، ولم يشعر به المواطن. ونذكر هنا أن البرنامج يهدف إلى زيادة الدخل الفعلي للفرد 3 % إلا أن معدل نمو الاقتصاد للربع الأول من هذا العام وصل 2.7 % أي أن معدل دخل الفرد قد ازداد بمقدار 0.2 % وهو رقم لا يغير من حياة المواطن شيئاً يذكر.
صحيح أن الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة وخاصة الحرب الاستعمارية العنصرية الوحشية التي يشنها الكيان الإسرائيلي النازي على غزة والضفة الغربية واعتداءات إسرائيل المستمرة على سورية ولبنان تجعل من النمو الاقتصادي مسيرة تكتنفها الكثير من الصعوبات.
إلا أن هناك العديد من المحركات اللازمة للتغيير ما تزال نسبيا غائبة عن التفعيل النشط، وهي المحركات الناعمة. هذا على الرغم من أن رؤية التحديث الاقتصادي أكدت على أن الهدف «نقل الاقتصاد الوطني من اقتصاد تقليدي إلى اقتصاد تفاعلي رقمي ومعرفي» ولعل من ابرز تلك المحركات ما يلي:
أولاً: اشكالية تطوير التشريعات حيث يتم التركيز على تغيير القوانين وأحياناً الأنظمة ولكن تبقى التعليمات والممارسات والأعراف التقليدية للموظف العادي كما هي. وبالتالي يبقى موقف الموظف من المواطن ومن المسائل المعروضة عليه على حاله حتى لو تم تغيير القانون أو النظام لأن الموظف في الصفوف المتأخرة يعمل وفق التعليمات المباشرة.
ثانياً: ومع تقديرنا لجميع الموظفين دون استثناء إلا أن الموظف لا يشعر انه شخصياً شريك في عملية التحديث، ولا يتنبه إلى أن كل حركة وظيفية يقوم بها تنعكس سلباً أو إيجابا على نجاح البرنامج. حتى الحكومة الإلكترونية فما يزال الجانب الفعال منها يتحرك ببطء، فالموظف ما يزال يطلب من المواطن أو المستثمر الوثائق التي اعتاد عليها في الماضي. وهناك من الموظفين من يقول إنه غير متاح له الوصول إلى المعلومات من خلال الإنترنت، وبالتالي على المواطن أن يحضر الوثائق بنفسه وبشكلها الورقي التقليدي.
ثالثاً: هناك حاجة ماسة لتدريب الموظفين وتثقيفهم حسب خصوصيات القطاع بل الدائرة التي يعملون فيها، والربط بين التدريب والثقافة من جهة، وبين آليات وتفاصيل التحديث الاقتصادي من جهة أخرى، حتى ينتقل الموظف من كونه مراقبا أو محايدا إلى أنه شريك في صنع النجاح ومسؤول عن الإخفاق والفشل. ومثل هذا التدريب والتثقيف يحتاج إلى برامج خاصة بكل مؤسسة، تستعين فيها بالمعاهد والخبراء والأكاديميين والقطاع الخاص حسب الضرورة.
رابعاً: أهمية إنعاش وتعميق وتفعيل «التمويل الوطني» باعتباره العمود الفقري للتنمية ولبناء المشاريع، صغيرة كانت أو متوسطة أو كبيرة أو عملاقة، وذلك من خلال الشركات المساهمة العامة والتعاونيات وصناديق الاستثمار والادخار والبنوك ومؤسسات المال الوطنية. ومن غير المعقول أو المفيد الاعتماد على التمويل الأجنبي بأشكاله من قروض ومنح ومساعدات في كل مشروع، وكأن المجتمع الأردني غائب عن احتياجات بلاده. الأمر الذي يترك آثاراً ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية سلبية في المجتمع.
خامساً: ضرورة تعزيز وتشجيع الادخار للأفراد والمؤسسات، وتخفيض مستويات الاستهلاك، حيث يعتبر الأردن من الدول عالية الاستهلاك قليلة الادخار. إذ لم تتجاوز نسبة الادخار 4 % من الناتج المحلي الإجمالي للعام 2023 مقارنة بدول كثيرة مثل الجزائر حيث كانت نسبة الادخار
40 % والمغرب 27.5 % وفلسطين 10 % من الناتج المحلي الإجمالي لكل بلد. وهذا يتطلب، بالإضافة إلى برنامج البنك المركزي، برامج تربوية وثقافية طويلة الأمد، إضافة إلى برامج تحفيزية من جانب الحكومة من مثل الحوافز الضريبية وغيرها.
سادساً: التوسع في المشاريع الإنتاجية الجديدة وخاصة في المحافظات بما في ذلك قطاع الزراعة. وهنا يبرز دور المؤسسات المالية الرسمية وبنك تنمية المدن والقرى والشركات الكبرى والحكومة. إن المشاريع الخدمية على أهميتها لا تحدث التغيير المنشود في دخل الفرد وفي مستوى المعيشة ولا تكون عنصراً كافياً لجذب المستثمرين الجدد. إذ أن المستثمر يبحث دائماً عن بيئة نشطة صناعية تكنولوجية إنتاجية قابلة للتفاعل مع الآخرين. سابعاً: الاهتمام والتركيز على الدور التنموي للبلديات ومجالس المحافظات ويمكن تفعيل هذا الدور في إطار الهيكيلية الجديدة للبلديات، والتي ينبغي أن تكون مسؤولة عن التنمية الاقتصادية المحلية، إضافة إلى شراكتها في المشاريع الإنتاجية مع شراكة الحكومة والبنوك والشركات الكبرى دون الانتظار حتى يأتي مستثمر اجنبي «مع الاحترام» ليقيم مشروعاً هنا وهناك.
ثامناً: ان الريادية ومهارة صنع الأشياء هي التي تنقل الاقتصاد من شكله التقليدي إلى بنيته المعرفية الرقمية، وذلك من خلال الجهود والإبداعات التي يبذلها الأفراد المدربون. ومع أن هناك جهوداً أهلية وفردية متميزة في هذا الاتجاه، إلا أن دور المدرسة والجامعة ما يزال ضعيفاً للغاية في هذه المسألة، الأمر الذي يستدعي تدريس مادة الريادية وإدارة المشاريع ومهارات صنع الأشياء في المدرسة والجامعة كمواد أساسة لجميع التخصصات وكما تفعل العديد من الدول ومنها البرازيل مثلاً.
تاسعاً: إن توليد 100 ألف إلى 130 ألف فرصة عمل سنوياً لمواجهة البطالة يتطلب تفعيل الشراكة الحكومية مع القطاع الخاص في المشاريع الاستثمارية الإنتاجية وتفعيل الادخار والاعتماد على التمويل الوطني وخلاف ذلك ستتفاقم مشكلة البطالة في الإعداد، وإن كانت النسبة المئوية تبدي تحسناً طفيفاً من آن إلى آخر.
واخيراً لقد تحسن موقع الأردن في دليل سهولة إنشاء الأعمال فقفز ترتيب الأردن من 104 إلى 75، الأمر الذي يؤكد إمكانية التحسين والإضافة، خاصة إذا ما عملت الحكومة على تخفيض كلفة الإنتاج وكلفة الاستثمار والطاقة، وعملت بشكل خاص على تسهيل حصول المستثمرين على رخص المباني، حيث يحتل الأردن الموقع 138 من أصل 165 دولة. إن رؤية التحديث الاقتصادي تتطلب العلم والعقل والتكنولوجيا والإدارة الحصيفة في وضع التفاصيل وفي تنفيذها وينبغي أن تفيد الدولة من خبرة القطاع الخاص والأكاديميا حتى تحقق الأهداف المنشودة.