تصريحات سياسي مأزوم.. أم برنامج دولة؟

بعد 22 شهراً من حربه الوحشية العنصرية ضد المواطنين المدنيين في غزة، وفشله في كسر إرادة المقاومة الفلسطينية، وفشله في تهجير الغزيين بل الفلسطينيين في كل الأراضي الفلسطينية، وبعد إخفاقه في استرداد الأسرى الإسرائيليين، يصرح نتنياهو وبكل صلف وغرور بأن الشرق الأوسط الجديد سيقوم على دولة إسرائيل الكبرى التي تمتد من النيل إلى الفرات. ويدعي بأنه يتحرك لتنفيذ هذا المشروع أو ما سماه الحلم الإسرائيلي بدوافع دينية وروحية ويصف المشروع بأنه مهمة أجيال يسلمها جيل إلى جيل. وكان نتنياهو قد عرض خريطة للشرق الأوسط الجديد عام 2023 في اجتماعات الأمم المتحدة وادعى بأن إسرائيل ستصنع هذا الجديد بما لديها من قوة وتفوق علمي وتكنولوجي. ليعود سموتريتش ويعرض في باريس خريطة إسرائيل لتشمل كامل فلسطين والمملكة الأردنية الهاشمية وأجزاء من سورية ولبنان. وهنا علينا أن نحسن وبكل هدوء وموضوعية قراءة ما يهذي به نتنياهو وسموترتيش وغيرهم الكثير من قادة الكيان، وعلينا أن نأخذ مؤشرات هذه القراءة بشكل جدي للغاية بعيدا عن التهويل أو التهوين.
إن ادعاءات الصهيونية بأرض إسرائيل كما تم توليفها في التلمود ليست جديدة، بل تعود إلى عام 1907 حين تبنت الحركة الصهيونية هذه الرؤية ثم غابت ليعود جابوتنسكي فيجددها عام 1936 لتتجدد مرة ثالثة عند تولي حزب الليكود الحكم عام 1977 بقيادة مناحيم بيغن. والليكود هو الحزب الذي يؤمن بمقولة إسرائيل الكبرى. وأكد نتنياهو على تلك المقولة في كتابه مكان تحت الشمس الصادر عام 1995 وبعد توقيع اتفاقيات السلام.
وهنا لا بد من التركيز على المسائل الرئيسية التالية: 
اولاً: مهما كانت حالة الغرور والتباهي عند نتنياهو، ورغبته في الهروب إلى الأمام من جرائمه في غزة والضفة الغربية، ومن استنكار العالم ونبذه لإسرائيل، فإنه لا يعبر عن ذاته بالمفهوم الضيق، بقدر ما يعبر عن مشروع صهيوني عميق يدفع جميع نشاطات المنظمة الصهيونية والمسيحية المتصهينة في أميركا إلى تحقيقه على مدى زمني طويل.
ثانياً: إن هذا المشروع الحلم ينسجم تماما مع حقيقة تكوين الكيان الإسرائيلي باعتبار إسرائيل مشروعا استعماريا بكل معنى الكلمة، أقامته الشراكة الأوروبية الأميركية، والغاية منه توظيف الكيان للسيطرة على المنطقة لصالح الشراكة بين أوروبا وأميركا من جانب، والتخلص من المسألة اليهودية ومن اليهود من جانب آخر. 
ثالثاً: إن كل ما تقوم به إسرائيل يجري، كما صرح سموتريتش قبل أيام قليلة، بالتنسيق الكامل مع الإدارة الأميركية خطوة بخطوة بما في ذلك مصادرة الأراضي الفلسطينية وإقامة المستعمرات والطرق الالتفافية والحواجز فيها. 
رابعاً: إن ما تقوم به إسرائيل من تفتيت للضفة الغربية، ونشر «المستعمرات» في كل مكان بتمويل أميركي حكومي وغير حكومي، وما قامت به من المساهمة في تدمير سورية وتفكيك العراق عن طريق الغزو الأميركي والمسارعة إلى احتلال جنوب لبنان وجبل الشيخ وجنوب سورية بعد انهيار نظام الأسد، كل ذلك جزء من مشروع الحلم التلمودي.
خامساً: إن ما يدفع إسرائيل وحلفاءها على السير في المشروع التوسعي الاستعماري بدون تردد هو «فارق القوة» بينها وبين الدول العربية في الأبعاد العسكرية و العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية 
والتجسسية. حيث تنفق إسرائيل 6.3 % من الناتج المحلي الإجمالي على البحث والتطوير مقابل 1 % أو أقل في معظم الأقطار العربية. 
سادسا: تعمق الغياب العربي. فمنذ عام 1969 حين أقدم مايكل روهان على إشعال النار في المسجد الأقصى ولم تسمع جولدمائير من الدول العربية والإسلامية إلا الاستنكار، في اليوم التالي قالت: «الآن اطمئنيت على مستقبل إسرائيل ومشاريعها». وما يزال هذا الاطمئنان قائما لدى القيادات الصهيونية. 
ثامناً: إن تعطيل الولايات المتحدة للقرارات والإجراءات التي تتخذها المؤسسات والمنظمات الدولية، رغم الجرائم الإسرائيلية التي لم يعد بعد بالإمكان إخفاءها أو التستر عليها بفضل الاتصالات العالمية، هذا التعطيل يعطي الكيان الصهيوني الاطمئنان بأن لا معارضة لأي شيء تقوم به إسرائيل، ابتداء من قتل الأطفال بالتجويع والتعطيش والقنابل الحارقة، مرورا بتدمير البيوت والمزارع 
والمستشفيات والمدارس والجوامع والكنائس، وانتهاء بإعلان الكنيست ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل.
 وأخيرا فإن على الدول المحيطة بإسرائيل وهي الأردن ومصر وسورية ولبنان والسعودية والعراق أن تأخذ الموضوع مجتمعة 
ومنفردة في منتهى الجدية، باعتباره موقفا توسعيا لدولة استعمارية وليس مجرد تهويمات لزعيم مأزوم هنا وهناك. وعلى هذه الدول 
وغيرها أن تعمل بجد والتزام على تقليص فارق القوة مع الكيان 
وخاصة في العلوم والتكنولوجيا والتصنيع والإبداع. وعلى الجانب العربي أن يتحسس الخطر، خاصة وان المجتمع الإسرائيلي يربي أطفاله وينشئهم على كراهية العرب بمن فيهم الفلسطينيون، فالكتب المدرسية والثقافة العامة إضافة إلى المؤسسات التلمودية كلها تعمل على تعبئة المجتمع الإسرائيلي ضد العرب في كل اتجاه وتعمل على تعزيز الروح والأحلام التوسعية، إضافة إلى العمل على محو  الهوية الفلسطينية والتراث المادي والثقافي للفلسطينيين.
إن مرحلة جديدة من المشروع الاستعماري المسمى إسرائيل تستعد الأطراف ذات العلاقة لتنفيذه بشتى الوسائل العسكرية والاقتصادية والثقافية والإعلامية بما في ذلك التفرقة الطائفية والجهوية 
والسياسية والإعلامية. وعلى الجميع ونحن في المقدمة إدراك الخطورة الكامنة بكل حكمة وعقلانية، فنعمل مع قيادتنا ومؤسساتنا على تصعيد قوتنا الذاتية اجتماعيا واقتصاديا وعلميا وتكنولوجيا. وهل يدرك الفلسطينيون خطورة الموقف فيوحدوا صفوفهم؟، وهل يدرك العرب مسؤولياتهم قبل فوات الأوان؟ وقبل أن يقضم العدو أراضيهم قطعة قطعة؟. تلك هي المسألة.