ي خطاب العرش، تناول جلالة الملك عبدالله الثاني الموضوع الاقتصادي بكل اهتمام، إضافة إلى مواضيع أخرى في مقدمتها التعليم والصحة، وركز على ضرورة تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي، وتحقيق النمو، وإقامة المشاريع الكبرى، وجذب الاستثمارات، وتوفير فرص العمل ورفع مستوى المعيشة. هذا إضافة إلى تأكيده على تطوير القطاع العام وتحديث قطاع النقل. وحقيقة الأمر أن تحقيق النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل وبالتالي ارتفاع مستوى المعيشة لا يتحقق إلا من خلال انطلاق سلسلة طويلة ومستمرة من مشاريع إنتاجية جديدة كبيرة ومتوسطة وصغيرة. أما المشاريع الكبرى، على أهميتها، فغالباً ما تكون فرص التشغيل فيها محدودة بالنسبة للاستثمار الرأسمالي فيها بسبب تقدم التكنولوجيا والأئمتة والرقمية والذكاء الاصطناعي وغيرها. ولكن أهميتها تبرز حين تعمل كقاطرة لمشاريع اخرى كبيرة ومتوسطة وصغيرة، سواء تلك التي توفر بعض مستلزمات الانتاج، أو تلك التي تستفيد من المنتجات النهائية فتصبح أعلى كفاءة وأكثر جدوى أو تلك التي تصنع منتجات جديدة. ومع هذا يبقى السؤال الجوهري عمليا: ما هي الفرص لدينا لإنشاء المشاريع على أنواعها وأحجامها؟ خاصة وأن معدل البطالة لدينا مرتفع ويصل 21.5 %، وفي نفس الوقت يتهيأ لدخول سوق العمل ما يزيد على 100 ألف شاب وشابة سنوياً. أما موازنة الحكومة فهي بشكل عام تسيطر عليها النفقات الجارية وبالكاد يتبقى 10 % من الموازنة أو أقل لتنفقه على مشاريع رأسمالية. حيث تستنفد الرواتب ما يقرب
من 61 % من الموازنة او ما يزيد على 7.5 مليار دينار، وفي نفس الوقت فإن فوائد المديونية تلتهم أكثر من 1.5 مليار دينار سنوياً.
هذا الوضع الصعب، في إطار الطموح الوطني الكبير الذي عبر عنه جلالة الملك في خطاب العرش من جهة، وعدم استقرار المنطقة نتيجة للاعتداءات الإسرائيلية الوحشية المتواصلة في فلسطين ولبنان وسورية بل واليمن من جهة أخرى، يستدعي النظر في عدد من النقاط المهمة وعلى النحو التالي.
أولاً: إن تحقيق الغايات الاقتصادية السالفة الذكر لا تتحقق إلا من خلال الشراكة الفاعلة بين القطاعات الثلاثة الرسمي والخاص والتعاوني. ولا زالت آليات هذه الشراكة ضعيفة وغير فعالة في كثير من الأحيان، ولا زال القطاع الخاص يعمل على هامش التطلعات الحكومية وليس في قلبها.
ثانياً: إن أهم تطوير في البنية الإدارية للدولة يتمثل في إعادة توجيه عقلية الإدارة والموظف من دور السيطرة والتحكم إلى دور الخدمة العامة باعتبار أن الاقتصاد الذي نتوق إليه يحققه المواطن ممثلا بالقطاع الخاص ومشاريعه ومؤسساته.
ثالثا: إن المشاريع الإنتاجية من صناعية وزراعية وسياحية وخدمية، الصغيرة منها والمتوسطة، ينبغي دعوة شركات القطاع الخاص الوطنية لتنفيذها دون إرجائها من سنة إلى أخرى بحثا عن تمويل أجنبي. فعلى سبيل المثال مشروع تلفريك عمان بكلفة تقديرية تصل إلى 8 ملايين دينار يمكن أن تنفذه الشركات الأردنية بسهولة دون الحاجة إلى تأجيلة لسنوات.
رابعاً: إن القطاع الخاص الوطني لديه إمكانات مالية وفنية متميّزة عدا عن خبرات الأردنيين التي تتراكم وتتعمق يوما بعد يوم، مما يجعل القدرة التكنولوجية والهندسية الوطنية قادرة على تنفيذ المشاريع الكبيرة التي يمكن أن تمولها مؤسساتنا المالية الخاصة وشركات قائمة أو يتم إنشاؤها بتمويل المواطنين كشركات مساهمة عامة.
خامساً: إن مسارعة الإدارات الرسمية إلى طلب التمويل الأجنبي يفرض عليها بالضرورة أن تفتح مجال تنفيذ المشاريع على مستوى دولي، وخاصة للدول المانحة، والتي أصبحت تمزج القروض مع المنح لكي تزيد الاقتراض جاذبية. وهذا غالباً ما يكون على حساب إمكانات وفرص الشركات الوطنية.
سادساً: إن المشاريع الصغيرة والمتوسطة والتي هي أكثر احتياجاً لها في المحافظات لتوفير فرص العمل في كل محافظة، لا تكون جاذبة للمستثمر الأجنبي في غياب المستثمر الوطني. الأمر الذي يستدعي ان تتشارك الحكومة مع القطاع الخاص الأردني في إقامة هذه المشاريع وبعد انطلاق المشروع يمكن للحكومة أن تبيع حصصها للقطاع الخاص أو لشركات مساهمة عامة تنشأ لهذه الغاية.
سابعاً: إن الاهتمام بالتعاونيات عموما وفي المحافظات بشكل خاص أصبح ضرورة قاطعة، لأن استثمار إمكانات المحافظات الطبيعية والزراعية والخدمية يجب أن يتحقق من خلال المشاركة المجتمعية هناك والتي تمثل التعاونيات البوابة الرئيسة لها وأن تلعب مجالس المحافظات، والبلديات، والجامعات للمشورة العلمية، دورا بارزا في هذا المجال.
ثامناً: إن رفع مستوى المعيشة، وهي إحدى النقاط التي يركز عليها جلالة الملك باستمرار وفي كل مناسبة، لا يتحقق في المحافظات دون مشاريع يساهم فيها المواطنون من مدخراتهم مهما كانت بسيطة والشركات الكبرى والبنوك والحكومة.
تاسعا: إن جذب الاستثمارات ينبغي أن يفهم على أنه جذب للاستثمارات الوطنية أولا والأجنبية ثانيا وليس العكس. وأن المستثمر الأجنبي يسارع إلى الإفادة من فرص الاستثمار في الأردن حين يرى المستثمرين الأردنيين منتشرين في كل مكان في البلاد. وقد نجحت دول عربية مثل الإمارات وقطر ومصر لتحتل مكانة متقدمة على دليل التنافسية الاقتصادية.
عاشراً: إن تطوير النقل هو ركن أساسي في تحسين أحوال المحافظات اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وركن أساس في تشجيع المستثمرين على الذهاب للمحافظات للاستثمار فيها. وهنا لا بد من تفكير وطني إستراتيجي في هذا الشأن ودخول القطارات وشبكات السكة الحديد إلى تفكير الدولة. ومع أن الحكومة قد وقعت قبل 17 سنة اتفاقية لإنشاء خط سكة حديد بين عمان والزرقاء وبكلفة 236 مليون دينار إلا أن المشروع لم ينفّذ حتى اليوم. فلماذا لا تدعو الحكومة القطاع الخاص الأردني للعمل على هذا المشروع؟ والأمثلة كثيرة في المستشفيات والمدارس وأنابيب النفط وغيرها.
وأخيراً، فإن الأهداف التي أكد عليها خطاب العرش هي غاية في الأهمية، وتتطلب الخروج من صندوق التفكير التقليدي الذي يربط كل مشروع بالتمويل الأجنبي إلى الاعتماد على الإمكانات الوطنية وتطوير الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص لتنفيذ المشاريع وتمويلها. الأردن غني برأسماله البشري وبإمكاناته المتميزة في إطار الاقتصاد الاجتماعي. فالمسألة، وكما قال الملك، إننا لا نملك رفاهية الوقت ولا مجال للتراخي، فخطوات المستقبل أسرع مما يظن البعض.