حينما نتأمل ما تقوم به إسرائيل من جرائم حرب لم يقع مثيل لها في التاريخ الحديث، حسب تقارير الكثير من الخبراء والمؤسسات الإنسانية، ونلاحظ إصرار الكيان الصهيوني على القتل الجماعي والتجويع والتعطيش ومنع الدواء والكهرباء والماء عن 2.2 مليون إنسان في غزة، ونسخة مصغرة في الضفة الغربية، حين نتأمل ذلك، ونتابع الأصوات الخافتة أو الخجولة التي تصدر هنا وهناك في دول اوروبية عتيدة بل عريقة في الاستعمار واستعباد الشعوب مثل بريطانيا وفرنسا والمانيا وبلجيكا، وكأن 20 شهراً من الإجرام الموثق ليست كافية لاتخاذ إجراءات حقيقية ضد إسرائيل باعتبارها خارجة على القانون الدولي والإنساني، وباعتبارها خطرا يهدد استقرار المنطقة، ولاحقاً ربما استقرار أوروبا، نتساءل: هل إسرائيل هذه «بقرة مقدسة» يخشى الأوروبي الاقتراب منها؟ أم أنها جزء من المنظومة الاستعمارية وذراع لها في المنطقة العربية؟
وحين تعلن الولايات المتحدة الأميركية انسحابها رسمياً من اليونسكو وليس تجميد عضويتها، لماذا؟ لأن اليونسكو اعترفت بدولة فلسطين عضواً فيها. هذه المنظمة العريقة التي تأسست قبل ثمانين عاماً بالضبط ودخل ميثاقها حيز التنفيذ في شهر 11/1946 بهدف بناء السلام من خلال التعاون الدولي، ليس في القوة العسكرية والاسلحة التدميرية ومعلومات المخابرات، وإنما في التربية والتعليم والعلوم والثقافة، أصبحت اليونسكو، بل كل منظمة دولية، في نظر الإدارة الأميركية رهينة لموقفها من إسرائيل، بل رهينة لسياسات إسرائيل في إنكار حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة ذات سيادة على ترابه الوطني فلسطين.
هذه البقرة المقدسة هي أيضاً محل تقديس لدى الإدارة الأميركية التي راحت تحقق مع الجامعات الأميركية التي شهدت نشاطات طلابية مؤيدة لحق فلسطين في الحرية. بل راحت تصادر أموال تلك الجامعات وتفرض قيودا على تمويلها وطلبتها وأساتذتها. لقد خدعت الصهيونية العالمية العالم حين ساوت بين إسرائيل ومعاداة السامية واليهودية والصهيونية، وأدخلت ذلك في المنظومة القانونية الأوروبية. واليوم تحاول إسرائيل مساواة فلسطين بحماس بالإرهاب، فحين يعلن ماكرون عن عزم فرنسا الاعتراف بدولة فلسطين يخرج الإعلام الصهيوني ليندد بهذا الإعلان ويساويه بمكافأة للإرهاب. وكالعادة ذهب ترامب للاستهزاء بإعلان الرئيس الفرنسي.
إن البقرة المقدسة لها في نظر أميركا وحلفائها الأوروبيين الحق في اجتياح أي بلد تحت ستار الدفاع عن النفس، بل وصل التطاول والتمادي إلى أن تدعي إسرائيل حق الدفاع عن الدروز في سورية، متجاهلة انهم مواطنون سوريون. لكن هذه التقديس الظاهري يخفي وراءه أهدافأ استعمارية خبيثة ليجعل من إسرائيل الذراع الأميركية الأوروبية للسيطرة على المنطقة العربية، وفي الإطار التالي:
أولاً: لعب التحالف الأميركي الأوروبي الإسرائيلي الدور الأكبر في تفكيك سورية والعراق وتدمير الجزء الأكبر من البلدين مباشرة وبواسطة الجماعات الإرهابية المتطرفة التي كانت تتلقى المال والسلاح بل والتدريب من دول التحالف وإسرائيل، وما تزال للقوات الأميركية لها معسكراتها في العراق وسورية.
ثانياً: إن التحالف الأوروبي يرافق الولايات المتحدة في جميع حروبها ضد شعوب المنطقة سواء في العراق أو سورية أو افغانستان أو ليبيا أو اليمن.
ثالثاً: إن التوجه الاستعماري الآن هو الدخول في التفكيك الطائفي والمذهبي للمنطقة حتى تصبح المنطقة بكاملها مسرحاً لنزاعات طائفية ومذهبية لا تنتهي. فاليوم تدعي إسرائيل حماية الدروز في سورية وغداً ربما تضخم الادعاء ليشمل دروز لبنان، وأميركا تدعي حماية أكراد سورية، وبعدها قد تبدأ بأقباط مصر.
رابعاً: حين تصر إسرائيل على الدخول إلى الجنوب السوري واحتلال جزء كبير من الجنوب السوري فإنها تصبح قريبة من الحدود الأردنية الشمالية بكل ما يحمل ذلك من أخطار وتهديدات.
خامساً: تصر إسرائيل بكل الوسائل والأعذار والادعاءات على عدم الانسحاب من الأراضي التي تحتلها ابتداء من فلسطين بكاملها الضفة الغربية وغزة، مروراً بلبنان وسورية.
سادساً: ان حصيلة ما تقوم به إسرائيل من اعتداءات لا تتوقف ليوم واحد وتهديدات وتلويحات بالقوة العسكرية وتعطيل المؤسسات الدولية بالفيتو الأميركي والدعم الاقتصادي والتكنولوجي
والمعلوماتي الشامل والمساندة العسكرية العمياء، تتمثل حصيلة كل ذلك في إبقاء المنطقة (الشرق العربي) ضعيفة مفككة، تنفق القليل على التنمية والتعليم والكثير على المعدات العسكرية دون جدوى، وبالتالي تزداد اعتماديتها على الدول الأوروبية وعلى الولايات المتحدة الأميركية.
بالمقابل فإن الدول العربية، باستثناء الأردن، غائبة عن الفعل وكأنها في قارة أخرى، لا تتحرك إلاّ على أجنحة بيانات استنكارية مكررة. بل أن الخارجية المصرية طلبت من شيخ الأزهر أن يسحب بيانه الذي اصدره الخميس 24 تموز يدين فيه وحشية إسرائيل في غزة ويدعو العرب والمسلمين للتحرك لوضع حد للتغول الإسرائيلي. طلبوا سحب البيان لئلا يؤثر على سير المفاوضات بين إسرائيل وحماس. تلك المفاوضات التي يعلم القاصي والداني أن مراوغة نتنياهو وإصرار حكومته الفاشية على القتل والتدمير والاحتلال هي التي تمنع وصول الطرفين إلى الاتفاق. زعماء إسرائيل لا يفكرون اليوم إلا بالسيطرة والتوسع، وهذا بالنسبة لأميركا وحلفائها جائزة مستحقة على نجاحها في تفكيك المنطقة وجعلها رهينة لهم.
وأخيراً فإن الموقف من منظور مستقبلي غاية في الحساسية والخطورة، وعلى الجميع التفكير بالخطوات التالية التي ستقوم بها إسرائيل خاصة بعد أن صوت الكنيست على إعلان الموافقة على ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل. فماذا بعد؟ وكيف سيكون ذلك؟