الضفة والقطاع.. ومواجهة الاحتيالات الإسرائيلية

كان تصويت الكنيست على ضم الضفة الغربية وإعلان السيادة الإسرائيلية عليها بمثابة جرس إنذار للإدارة الأميركية، بأن خطة ترامب للسلام سيكون مصيرها الانهيار السريع.هذا في حين أن ترامب يعتقد انه يستطيع فعلا أن يكون بطلا للسلام في الشرق الأوسط بسبب قدرته على الضغط على الأطراف المتنازعة في المنطقة. لعل ذلك يغطي على فشله في تحقيق السلام في أوروبا بإيقاف الحرب الروسية الأوكرانية، نتيجة لمواقف كل من روسيا التي لا يستطيع الضغط عليها إلا في حدود ضيقة، ومواقف أوروبا أيضاً التي ترى في هزيمة أوكرانيا تهديدا مباشر لها بغض النظر عن مدى صحة هذا الافتراض. كل هذا في إطار العنجهية الاستعمارية لإسرائيل وافتراض نتنياهو وزمرته أنه يستطيع أن يتخذ أي قرار يريد، وما على الإدارة الأميركية إلا الموافقة. الأمر الذي دفع ترامب وبسرعة فائقة لإرسال كبار السياسيين والمستشارين لديه ابتداء من نائب الرئيس دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو ومستشاره للشرق الأوسط ويتكوف وجاريد كوشنر خبير ترامب في الاتفاقيات الإبراهيمية للشرق الأوسط بهدف إيقاف التهور الإسرائيلي، وتحجيم جنون نتنياهو في أن يظهر بطلا في عين الاسرائيلين بأي ثمن بعد فشله فيما كان يدعيه. إذ أدت سياسته إلى ثلاث نتائج سيئة بالنسبة له: الأولى عزلة إسرائيل دولياً واستنكار سياساتها على المستويات الرسمية والشعبية في معظم دول العالم 
والثانية التأكيد العالمي للحق الفلسطيني في تقرير المصير وقيام دولة فلسطينية شعبياً ورسمياً وتوالي الاعترافات بالدولة الفلسطينية، والثالثة صدور قرارات محكمة العدل الدولية والتي تدعو إسرائيل كقوة احتلال إلى إنهاء احتلالها لفلسطين ومراعاة التزاماتها القانونية كسلطة احتلال والتوقف عن جرائم العقاب الجماعي والتجويع والإبادة والتدمير.
وخلال 48 ساعة من تصويت الكنيست أطلق ترامب تصريحه القاطع بأن «لا ضم للضفة الغربية»، وأكد أنه التزم بذلك أمام مجموعة الدول العربية والإسلامية التي اجتمعت معه في واشنطن، وأن أي تحدي لهذا الموقف من نتنياهو سيؤدي إلى إيقاف الدعم الأميركي لإسرائيل. وصرح المسؤولون الأميركيون الكبار بأن تصويت الكنيسيت هو استفزاز غير مقبول. وحفظا لماء الوجه وكالعادة خرج مكتب نتنياهو للتصريح بان تصويت الكنيست ليس له قيمة تنفيذية.
وهنا لا بد من التأكيد على عدد من المسائل على النحو  التالي:
أولا: إن موقف ترامب من ضم الضفة الغربية ورفضه القاطع لهذا الضم حدث إيجابي تماماً من أجل فلسطين ينبغي العمل على تعزيزه والبناء عليه من قبل الجانب الفلسطيني، والتحالف الدولي الذي تقوده السعودية وفرنسا، وكذلك المجموعة العربية الإسلامية المشاركة باجتماعات واشنطن وشرم الشيخ. 
ثانياً: من الواضح أن واحداً من الأسباب إلى دفعت ترامب إلى موقفه التزامه أمام المجموعة العربية الإسلامية لما مارسته من ضغوط إيجابية، الأمر الذي يفرض على هذه المجموعة أن تتابع جهودها بالضغط نحو توسيع التزام الإدارة الأميركية ليشمل قيام الدولة الفلسطينية حتى تتحقق أحلام ترامب فعلا بإنهاء النزاع وترسيخ السلام الدائم وفتح الطريق أمام اعتراف الدول العربية بإسرائيل بعد أن تكون الدولة الفلسطينية أصبحت حقيقة واقعة، مما يتيح الفرصة للاتفاقات الإبراهيمية.  
ثالثا: سوف تلجأ إسرائيل بشتى الطرق والوسائل ودون ضجيج إعلامي إلى الاحتيال على الموقف والسكوت مؤقتاً عن إعلان الضم، في حين ستتغول في مصادرة الأراضي الفلسطينية تحت شتى الأعذار من عسكرية إلى تنظيمية إلى أمنية إلى مصلحة عامة،وستمعن في تدمير التجمعات السكانية وتخريب المزارع والمرافق الإنتاجية للشعب الفلسطيني في كل مكان في فلسطين.
رابعاً: سوف يعمل نتنياهو على تسريع بناء المستوطنات في الضفة وسيوفر سموتريتش الأموال اللازمة وستقوم سلطة الاحتلال بتكثيف البوابات والحواجز والطرق بين المستعمرات وفي قلب الأراضي الفلسطينية لكي تصبح الضفة مجرد تجمعات سكانية تفصل بينها الأراضي المصادرة والطرق. 
خامساً: سوف يعمل بن غفير وسموتريتش على تشجيع مزيد من عصابات المستوطنين لتصبح اعتداءتهم على الفلسطينيين وأراضيهم أكثر تنظيماً وأعلى كثافة تمهيداً لحلول أفراد من المليشيا في مستعمرات مؤقتة إلى حين تثبيتها. 
سادساً: سيعمل نتنياهو على إبقاء الوضع داخل  الخط الأصفر في قطاع غزة مائعا وسيكيل الاتهامات إلى المقاومة بأنها تخرق الاتفاق حتى يعيق الدخول  في مفاوضات المرحلة الثانية. وفي نفس الوقت سيستمر في التحكم بسيارات الإغاثة والتموين لغزة و 
حرمان المواطنين لشتى الاحتياجات والآليات اللازمة للإعمار لإبقاء سكان القطاع في حالة جوع ويأس وعزوف عن الدخول في مرحلة البناء، خاصة وان القوة الدولية التي ستشرف على حالة القطاع لم تتشكل بعد. في حين ذهب نتنياهو إلى وضع الشروط المسبقة مثل رفض مشاركة تركيا أو مصر في القوة الدولية. 
سابعاً: سيعمل الجيش الإسرائيلي على استمرار عدوانه على الضفة والقطاع من أجل استفزاز المقاومة لترد على العدوان ليدعي نتنياهو أمام ترامب بأن حماس لم تلتزم بشروط المرحلة الأولى فلم تسلم جميع جثامين الرهائن، ولم تلتزم بتسليم سلاحها، وإنها تعيد بناء قوتها. الأمر الذي يستدعي العودة إلى الحرب على طريق تدمير حماس بالقوة.
ثامناً: سيذهب نتنياهو إلى زيادة الضغط على السلطة الوطنية الفلسطينية وحجب أموال الضرائب عنها والإمعان في إضعافها لكي يعلن للعالم أنه لا يوجد طرف فلسطيني يمكن التفاوض معه والاتفاق على أي ترتيب.
تاسعا: ستعمل إدارة الاحتلال على إصدار وثائق تملك للأراضي الفلسطينية المصادرة بأسماء أفراد ومؤسسات يهودية وخاصة حول القدس وسوف تكثف من حفرياتها تحت منطقة الأقصى بهدف الادعاء بعد سنوات وبعد انتهاء إدارة ترامب بأن مواطنيها اليهود هم ملاك الأراضي وليس الفلسطينيون. وبالتالي يجب إعادة النظر في موضوع السيادة والضم وعلى الفلسطينيين أن يبحثوا عن أماكن جديدة لهم. 
وأخيراً فإن كل ذلك يشكل تحديا للجانب الفلسطيني بضرورة اتفاق الفصائل على برنامج عمل سريع وملزم، وضرورة انخراط السلطة في الإصلاح الحقيقي. فالمراوغة الإسرائيلية التي فشلت اليوم قد تنجح غداً من خلال احتيالات إدارية وقانونية وسياسية ودبلوماسية ودينية. وعلى المجموعة العربية الإسلامية وفي مقدمتها السعودية والأردن ومصر وقطر وتركيا والدول العربية الأخرى أن تواصل ضغوطها على ترامب باتجاه الدولة الفلسطينية والتواصل مع المؤسسات والدول والبرلمانات لتعزيز هذا الاتجاه. فالوقت يمر سريعاً والاحتلال شديد الاحتيال ويراهن على الزمن.